تمر إيران دولة وشعبا في الوقت الراهن بتحولات مصيرية مرهونة بوطأة العقوبات الاقتصادية وثوران الداخل، وتأثير ذلك على الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، بعد أن وصلت الأوضاع كافة إلى نقطة لا تتواءم فيها مبادئ الثورة التي قام أسس النظام عليها مع الظروف والأفكار وقناعات الشعوب الإيرانية، ما أصبح من الضروري للغاية أن يحدث إصلاح في النظام والحكومة والمؤسسات بحيث يتم التنازل عن الكثير من مبادئ الثورة الخمينية منتهية الصلاحية كشرط أساسي لبقاء إيران في منظومة المجتمع الدولي، وأحد أهم الضرورات لعدم إنهيار الدولة الإيرانية بأكملها.

شهدت المجتمعات الإيرانية خلال الأعوام الأخيرة تصدعات وأزمات كبيرة، بدأت تنحني باتجاه الخطورة التي لا يمكن التعايش معها، ما دفع هذه الأزمات وأداء النظام السياسي وطريقة التعامل معها إلى تكوين حقائق جديدة في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد يكون فهم هذا التطورات لا زالت غامضة لدى العديد من رموز النظام الإيراني، غير واضحة لدى البعض، لكن بنظرة عامة إلى مسير حركة هذه الأحداث والتطورات الداخلية والخارجية، يمكن القول أن إيران تمر اليوم بحالة وظروف مختلفة لا تتفق مطلقا مع المبادئ الثورية الإيرانية التي تعتبر أساس نظام الولي الفقيه، وهو ما يثبت أن هذا النظام لا يمكن أن يستمر في حكمه لإيران مهما إتبع من سياسات وبرامج، لأن مبادئه السياسية وأفكاره الثوريه لم تعد صالحة لحكم الشعوب الإيرانية في الظروف الراهنة.

إن المجتمعات الإيرانية تتمتع اليوم بوعي أكبر بكثير عما كانت عليه إبان تسلط حكم الملالي على طهران بداية الثمانينات، وقد زاد اليوم وعي الشعوب الإيرانية في مختلف القضايا الاقتصادية والسياسية وما نتج عنها من قضايا فساد وهيمنة مؤسسات النظام على كافة شؤون البلاد وقمع الحريات وممارسة الإعدامات والاضطهاد … الخ، وهو ما تسبب إلى إيجاد نظرة مختلفة من قبل الشعب تجاه نظام الإدارة في الدولة، وفتح أبوابا جديدة من المطالب والتوجهات الاجتماعية في إيران، إلى جانب هذا فقد تسببت قضية الفجوة بين الشعوب والنظام في بروز نوع من الحركات الراديكالية، ويخشى أن تنساق هذه الحركات نحو الانزياح السياسي، إذا ما يأست من قضية الإصلاح السياسي الذي أصبح من ضرب المستحيل في ظل أفكار ومبادئ النظام الحاكم حاليا.

ولا شك أن التغيير في إيران أصبح محتوما، والمسارات التي تؤيد هذا التوجه تتزايد يوما بعد يوم، وتسعى إلى تعزيز الجبهة المطالبة بإقصاء منصب المرشد ونظام ولاية الفقيه وإنهاء سيطرة الحرس الثوري على شؤون البلاد وخاصة السياسية والاقتصادية، وإن كان هذا التحول بطيئا، إلا أنه يشهد نموا باستمرار، في المقابل فإن جبهة النظام تشهد انتكاسات متزايدة على الصعيد الداخلي والخارجي، وتفقد تدريجيا قاعدتها الشعبية، والكثير من الأحزاب السياسية والتيارات الثقافية والاجتماعية، وقد تكون أهداف مسارات التغيير لا تزال متواضعة وتتمثل في إحداث تخفيف في التوترات الأيدلوجية بين الطبقات المختلفة، والدعوة إلى إجراء إصلاحات في الحكومة والنظام وفرق الإدارة والقيادة، إلا أن سقفها يعلو يوما بعد يوم، ومثل هذه المسارات لا يتنهي مطالباها إلى بالتغيير الشامل لنظام الحكم، بسبب قوة قاعدتها الشعبية والسياسية، والشعور بقدرتها على إحداث أي تغيير في مرحلة من المراحل، والتي أصبحت إيران على عتبة أبوابها في الوقت الراهن.

إن الإرادة الشعبية والاجتماعية هي المنطلق لأجل تغيير الوضع الحالي في إيران، والحركة نحو تشكيل نوع من النسيج الشعبي والسياسي، وبدء تشكيل قيادات لهذا النسيج، باكورة دخول إيران مرحلة التنفيذ لإسقاط حكم ولاية الفقيه، ومن هنا يمكن أن نشهد نوعا من المواجهة بين النظام ومؤسساته وقوى تقليدية مثل الأحزاب الأصولية والمتطرفة من جهة، والمقاومة والمعارضة الإيرانية الشعبية والسياسية التي تقوم بالأساس على عناصر الشباب المتعلم والنساء المنخرطين في تنظيم خطاب يسعى إلى تشكيل المجتمع المثالي بما لديه من احتياجات معاصرة مقبولة من جميع طبقات المجتمع الإيراني، و في حال انسداد هذا المسير الإصلاحي، فإنه من المتوقع حدوث مواجهات أكثر شدة وأضرارا، وزيادة في التوترات الاجتماعية، والتوجه نحو التيَّارات الراديكالية، وبالتالي إندلاع ثورة عارمة قد تؤدي إلى اصطدام بين الشعب وقوات النظام القمعية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

28 أكتوبر 2018