أطلق مركز المزماة للدراسات والبحوث كتاباً جديداً يجمع بين التحليل الأدبي والتأريخ لسيرة واحد من أهم وأبرز الشخصيات المحورية في ماضي الإمارات ومنطقة الخليج العربي. الكتاب بعنوان ” أحمد بن ماجد.. ملاح من جلفار – الأبعاد المعرفية في شعره، قراءة نقدية”، من تأليف الباحث الإماراتي الدكتور سالم حميد رئيس مركز المزماة للدراسات والبحوث. ويأتي الإصدار ضمن استعدادات المركز للمشاركة بعناوين جديدة في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 37، التي تبدأ في 31 أكتوبر الجاري.

مهّد الدكتور سالم حميد لكتابه الجديد بمقدمة تضع القارئ في أجواء العمل ودوافع إصداره. مشيراً إلى تطرق العديد من الدراسات السابقة إلى جهود ابن ماجد في حقل الملاحة لكنها لم تقدم قراءات نقدية لنصوصه وأراجيزه. وأشار إلى أن شعر ابن ماجد يوحي بانفتاحه وتسامحه ومقدرته على التعايش مع الأقوام والجنسيات والثقافات الأخرى. وأوضح أن القالب الشعري يعتبر عنصراً مركزياً في أدوات الربَّان أحمد بن ماجد في إطار تخليد وإيصال معارفه إلى العالم، لكنه اختط لنفسه منهجاً في الحياة والشعر والعلم لا ينفصل عن ميدان التجربة وتعميم الفائدة وخدمة البشرية، من خلال توريث منجز علمي هائل في علم الملاحة، وذلك يستدعي قراءة نصوصه الشعرية من خلال إدراك وظيفتها المعرفية.

وعن دوافع تأليف كتاب عن سيرة وشعر ابن ماجد، أشار المؤلف إلى أن تشتت انتباه الأجيال المعاصرة وتعدد انشغال المنابر الثقافية بقضايا متشعبة أدى إلى إزاحة الاهتمام بهذا الرائد المتميز في مجاله مثل غيره من رواد التراث. وذكر أن الهدف من الكتاب هو “السعي ما أمكن إلى وضع مرجع نقدي عن أهمية مضامين وجماليات تراث ابن ماجد الشعري، من زاوية تمزج بين سرد المعلومات والنصوص، وبين تأمل جماليات تلك النصوص وأبعادها المعرفية، إضافة إلى الطموح في أن يكون الإصدار الجديد لبنة أولية لموسوعة أكثر شمولاً عن أحمد بن ماجد، باعتباره أحد أبرز أعلام البيئة البحرية الضاربة بجذورها في أعماق تاريخ الملاحة انطلاقاً من شواطئ وضفاف الخليج العربي.

اشتمل الكتاب على عشرة فصول إضافة إلى ملحق تضمن نماذج من شعر ابن ماجد. وعالجت فصول الكتاب على التوالي العناوين والموضوعات التالية:

الفصل الأول جاء بعنوان “سيرة أحمد بن ماجد” واحتوى على مدخل، وإضاءة حول صلة وانتماء ابن ماجد إلى جلفار، مع لمحة تاريخية حول المرحلة التي عاش في ظلها وما رافقها من أحداث وغزو أجنبي لسواحل الإمارات والخليج العربي. ثم تناول الفصل مبحثاً حول ابن ماجد، اسمه، ونسبه. ولمحة عن شخصيته الملاحية. مع التطرق إلى الجدل المثار في بعض السرديات التاريخية حول حقيقة فرية إرشاده لفاسكو دي غاما إلى الهند.

في الفصل الثاني، يقدم الكتاب إطلالة على معالم تراث ابن ماجد، سارداً عناوين أعماله المتداولة والمفقودة، ومصطلحاته ورحلاته. إضافة إلى تأملات جوهرية حول الأفق الإنساني والحضاري في شخصية ابن ماجد وجهوده العلمية، ومدى إبحار أراجيزه وشمولها لمبادئ علم الملاحة. كما يتطرق هذا الفصل إلى عرض مضمون كتاب ابن ماجد الشهير “الفوائد في أصول علم البحر والقواعد”، ويسلط الضوء على ترجمة بعض أعماله إلى اللغات الأخرى. أما الفصل الثالث فيتناول أولوية الأبعاد المعرفية في شعر ابن ماجد، الملاح الشاعر المنحاز إلى المعرفة.

وفي إطار التحليل النقدي لخصوصية تراث ابن ماجد الشعري، يتناول الفصل الرابع خروج ابن ماجد على تقاليد ديوان العرب، واتصاف أراجيزه بإيقاع ملحمي ومضمون مغاير لتقاليد الشعر المتعارف عليها. وفي الجانب المعرفي الذي يتضمنه شعر ابن ماجد، يقدم الفصل الخامس من الكتاب قراءة حول مقاربة ابن ماجد الشاملة لعلم الملاحة، من خلال تتبع جوهر مضمون أرجوزته الأكثر شهرة “حاوية الاختصار في أصول علم البحار”. كما تناول الفصل السادس من الكتاب أرجوزة أخرى هي “السفالية” من زاوية رصد التداخل فيها بين البعدين الملحمي والمعرفي، ومدى اختزان ذاكرة ابن ماجد لأسرار وتفاصيل عملية الإبحار من وإلى شرق أفريقيا.

وللمزيد من الغوص في أشكال الإبداع الشعري لدى ابن ماجد، يقدم الفصل السابع قراءة في قصيدة المكية التي مزج فيها الملاح الشاعر بين الحنين ووصف بعض الرحلات البحرية، بحيث ظهرت شخصيته في هذا النص “عاشقاً ومفارقاً لا يكف عن الرحيل”.

نأتي إلى الفصل الثامن من الكتاب، ويتضمن قراءة في قصيدتين من أعمال ابن ماجد حول قياس بعض النجوم وفخره بعلمه واكتشافاته وقياساته الملاحية والفلكية. فيما يقرأ الفصل التاسع أرجوزة السبعية التي تعتبر كذلك من الأراجيز الشهيرة لأبن ماجد. أما الفصل العاشر والأخير فجاء بعنوان “دوافع هيمنة الهاجس المعرفي على شعر ابن ماجد”، وقدم شواهد وأدلة من النصوص تؤكد أن القول الشعري عند ابن ماجد كان لأغراض معرفية لتوثيق قواعد الملاحة الفلكية.

وتطرقت خاتمة الكتاب بإيجاز إلى أن قيمة أعمال ابن ماجد الشعرية تقاس بمستويين: المستوى المعرفي العام المتصل بالحقائق التي أثبتها وأختبرها وتوصل إليها، والمستوى الجمالي الذي عمل من خلاله على كسر القواعد الشعر المتعارف عليها ونجح في تحويل قصيدته إلى وعاء لتوثيق ونقل معارفه الملاحية المرتبطة بحركة النجوم في الأفق الفسيح.

إصدار مركز المزماة للدراسات والبحوث