بالقياس إلى سلوك الإعلام التركي والقطري، نحن أمام نموذج للتضليل الإعلامي والإثارة الصفراء لتهييج الرأي العام. فالأداء التركي اتسم بالمزايدة والمتاجرة السياسية، بينما تورطت قطر أكثر في إعلان العداء ضد جيرانها.

وجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قضية جمال خاشقجي موضوعا ملائما لتكرار الابتزاز السياسي وإطلاق تصريحات فيها الكثير من المغازلة لوسائل الإعلام وكأنه يقدم فقرة تشويق في برنامج لتسلية الجمهور. فعندما يتحدث أردوغان عن امتلاكه تفاصيل حصرية غير معلنة بشأن قضية خاشقجي، يتحول من رئيس دولة إلى ناطق إعلامي يسخر من الجمهور ويستغل الحدث من أجل المزيد من الظهور، الذي أصبح هواية يومية لديه. ولكي يستمر المسلسل الأردوغاني يــبتكر المخرج التركي مناسبات وهمية لظهور البطل أردوغان كل يوم بخطاب جديد وتصريحات تتصاعد لغة الاستغلال والابتزاز في متنها، ونجد أن أردوغان يتعمد الإدلاء بتصريحات فيها تلميحات غير دبلوماسية يقوم بتسريبها بالتقسيط في خطاباته.

كما يعتمد على ما يشبه لعبة شد وإرخاء الحبل مع المملكة العربية السعودية أكثر من مرة في الخطاب الواحد. لماذا لا يترك أردوغان المسألة للقضاء، خاصة في ظل التنسيق السعودي التركي القائم على أعلى المستويات؟ هل القضاء في تركيا غير مستقل إلى درجة تجعل الرئيس التركي يستغل قضية جنائية في طور التحقيقات ليقوم بتوظيفها في خطاباته المسرحية؟ فما يقوله أردوغان يشير بوضوح إلى أنه يهدف من وراء تصريحاته إلى استعادة شعبيته في الشارع التركي، وقد عثر في قضية خاشقجي على ما يسمح له بالظهور في صورة البطل المزيف الذي يدعي الحرص على كشف الحقيقة؟

لاحظنا كيف يستمتع أردوغان بتناول هذه القضية الساخنة بالتقسيط، وكأنه يخشى إغلاق الملف الذي وجد فيه مناسبة لاستعراض خطاباته والحديث عن جولاته الخارجية أمام وسائل إعلام وجمهور غير معني بالشأن الداخلي التركي. وبالتحديد عندما ظل كل من الإعلام التركي والقطري يروجان الأسبوع الماضي لخطاب منتظر زعما فيه أن أردوغان سيكشف كل شيء، فإذا به يلقي خطابا دعائيا يظهر فيه أسلوب الدكتاتور الذي يعتبر كل تحركاته جالبة للإنجازات والفخر، فيما أصبحت قضية الصحافي السعودي موضوعاً للابتزاز والمتاجرة والمزايدة.

ولم يعد أردوغان يختلف عن ذراع قطر الإعلامي وأدواتها الإخوانية التي دخلت في حالة طوارئ وجندت كل برامجها للمتاجرة بدم خاشقجي والسعي لإطالة وقت المسلسل والإبقاء عليه مشتعلاً في وسائل الإعلام، في حين ينبغي إحالته إلى جهات التحقيق والقضاء لكي يأخذ المسار القانوني أبعاده السليمة، بعيدا عن التأثر بالضجيج الإعلامي والتوظيف السياسي للقضية.

ونتيجة للإثارة الإعلامية المبالغ فيها، أصبح هدف تركيا ورئيسها واضحا من التناول المتكرر لقضية خاشقجي على أعلى المستويات وفي كافة المحافل والاجتماعات ذات البعد المحلي والمهرجاني. فهناك تعمد تركي واضح للسير بالموضوع نحو زوايا وطرق جانبية لا علاقة لها بالكشف عن الحقيقة، بل باستغلال الموقف وابتزاز الداخل والخارج، وتحويل القضية إلى جسر للهروب من مواجهة استحقاقات تركية داخلية.

بمعنى أن قضية خاشقجي كانت بمثابة هدية ثمينة للرئيس التركي، حصل بموجبها على مبرر لتسويق خطاباته المتعالية، وحصل كذلك على فرصة للتهرب من مناقشة الانهيار الاقتصادي التركي، مقابل إشغال أذهان الجمهور التركي بموضوع ساخن إعلاميا، يعرف الجميع من يقف وراء تسخينه والإبقاء عليه في واجهة الأحداث، رغم أن العالم مليء بأحداث أخرى أكثر أهمية وخطورة.

ولا يبدو أن المتابع سيكون على موعد مع نهاية للمسلسل الأردوغاني. إذ لا تلوح في الأفق بوادر من طرف تركيا لتقديم ما لديها من إيضاحات وحقائق نهائية تزعم أنها تمتلكها، ولا نعرف لماذا لم تكشف تركيا ما لديها إن كانت جادة. فعلى الأرجح لا تزال لدى أنقرة رغبة عارمة في استثمار القضية والخروج بمشاهد تلفزيونية مؤثرة لانفعالات أردوغان المسرحية وهو يتطرق إلى ما لديه من معلومات. وبدلا من منح الجهات العدلية المختصة فرصتها للتنسيق مع السعودية بهدوء للقيام بإجراءات غير مصحوبة بالضغوط والمزايدات اتجه أردوغان إلى لعب دور مقدم برامج “التوك شو”.

في واحد من تصريحاته التي اتسمت بتوظيف القضية لمآرب أخرى، قال أردوغان بنبرة غير مقبولة في الأعراف الدبلوماسية، إن لدى تركيا معلومات ووثائق جديدة بخصوص قضية خاشقجي ولكنها تتريث في الكشف عنها، مضيفا “إن غداً لناظره قريب”.

بمثل هذه اللغة التي تهدف إلى تعويم القضية والإدعاء بامتلاك حقائق بشأنها، يواصل أردوغان استثمار الأحداث، وهو يضع نصب عينيه انهيار الاقتصاد التركي وانفضاض الحلفاء من حوله، لذلك لا يتورع عن استخدام كل الأوراق لتخفيف الضغط وصرف الانتباه عن مأزق النظام الذي تحول إلى نمر من ورق يعتاش على آمال التنظيم الإخواني في أن تستعيد تركيا انتعاشها لكي تستمر في احتضان قيادات الإخوان.

ونلاحظ مستوى التنسيق العالي والتشابه في التناول من طرف كلّ من الجانب التركي الرسمي والإعلام القطري الإخواني. فإعلام الدوحة بدوره وجد في قضية خاشقجي فرصة لكي تتجاوز عبرها قطر عزلتها السياسية والإعلامية، لذلك لم تتوقف عن الصراخ والتباكي المفتعل، ولم يكف إعلامها عن تفريغ فائض كبير من المراوغة كما يفعل الجانب التركي، إلى جانب اعتماد إعلام قطر على مصادر إخبارية ضعيفة. وعلى هذا المنوال ظلت الدوحة تنسج الأكاذيب وتختلق السيناريوهات التي ترويها على ألسنة من يعتبرون في بلدانهم هامشيين وغير صناع للحدث أو مؤثرين فيه.

في المقابل كان تواطؤ تركيا مع الإعلام القطري واضحا، وإن بدا في بداية الأزمة تواطؤاً خجولا ومستترا وراء تصريحات وتسريبات مهزوزة لمسؤولين أتراك من الصفوف الثانوية في الأمن التركي، إلا أن أردوغان انضم إلى جوقة الإعلام الإخواني وجعل من نفسه محققاً وقاضيا ومخبرا عليما بخبايا القضية.

وبتقييم أسلوب تناول حادثة خاشقجي إعلاميا وسياسيا، يمكن القول إن قطر وتركيا وجدتا في هذه القضية ما يمكن وصفه ببيضة الديك لتبرير شن حملة إعلامية واسعة وتوظيف الحدث واستغلاله إلى أبعد الحدود. وفي هذا الإطار لا يمكن أيضا إعفاء أطراف دولية تعتمد انتقاء القضايا وتسخينها، وهذا سلوك متكرر يدفع بعض الدول المؤثرة إلى عدم التردد في استخدام أقصى درجات النفاق والاستثمار الانتهازي للأحداث على المستويين الإعلامي والسياسي.

وخلال الفترة الماضية اندفع التحالف التركي القطري لكي يعبر عن نفسه على الطريقة الإخوانية، عبر نهج التنسيق الإعلامي، لأن المحرضين والمستشارين في قطر وتركيا من وعاء تنظيمي واحد هو الوعاء الإخواني، وهذا ما يفسر التشابه في التصعيد الإعلامي. ويبقى الموقف التركي أكثر انتهازية، على قدر ما لدى تركيا من أزمات مركبة، يتداخل فيها الشأن الداخلي بالخارجي، وبالذات في الجانب الاقتصادي، لذلك انتقل الأداء التركي سريعاً إلى متاجرة مكشوفة. وبالنسبة للدوحة فقد منحتها قضية خاشقجي فرصة لإعادة تحريك عجلات الحرب الإعلامية ضد جيرانها، ورغم ذلك يتمسك البعض بالحديث عن المهنية في قنوات وأدوات إعلامية قطرية تعتبر ناطقة فعلية باسم جماعات القتل والإرهاب.

وبالقياس إلى سلوك الإعلام التركي والقطري، نحن أمام نموذج للتضليل الإعلامي والإثارة الصفراء لتهييج الرأي العام. فالأداء التركي اتسم بالمزايدة والمتاجرة السياسية، بينما تورطت قطر أكثر في إعلان العداء ضد جيرانها.

رابط المقال بجريدة العرب: تركيا.. توظيف سياسي ومتاجرة بالأحداث

بقلم:د.سالم حميد

29 أكتوبر 2018