سيبدأ سريان الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية التي تستهدف تصدير النفط الإيراني في الرابع من شهر نوفمبر المقبل، وستفرض عقوبات صارمة ضد الشركات التي تدير الموانئ الإيرانية، إلى جانب الشركات العاملة في الشحن البحري وصناعة السفن، وعقوبات شاملة على قطاع الطاقة الإيراني وخاصة قطاع النفط، وعقوبات على البنك المركزي الإيراني وتعاملاته المالية.

ومن هنا بدأ المسؤولون في طهران إعداد وصياغة آليات ووضع خطط تهدف إلى الالتفاف على العقوبات وتخفيف الصدمة على القطاعات الاقتصادية الإيرانية التي قد تتعرض لخطر الإنهيار المفاجئ في أي وقت بعد سريان العقوبات بأشهر قليلة، ولا تزال المقترحات الإيرانية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفي نظرة إلى الخطوات التنفيذية والبرامج والخطط التي اعتمدتها السلطات الإيرانية في مواجهة العقوبات الأميركية، فإنها تفتقد إلى أي مؤشر إيجابي يدل على قدرة إيران على الصمود أمام هذه العقوبات، ومن هذه البرامج: تغيير الفريق الاقتصادي في الحكومة، واستخدام طرف ثالث “وسيط” في بيع وتصدير النفط الإيراني، وتخزين كيمات وشحنات من النفط في أماكن متعددة لبيعها بعد دخول العقوبات حيز التنفيذ وبيع النفط الإيراني عبر البورصة، واللجوء إلى برنامج دول الاتحاد الأوروبي في تأسيس آلية خاصة للمحافظة على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع إيران، وأيضا تخصيص 9.5 مليار دولار لتوفير السلع الأساسية والضرورية للمواطنين، وتفويض البنك المركزي بالتدخل بسعر الصرف بعدما بلغ ذروة تراجعه إلى 180 الف ريال للدولار الأميركي قبل أسابيع في سوق الصرف الحر.

فتغيير الفريق الاقتصادي قد جاء متأخراً جداً، والمصيبة الأكبر أنه كشف عن تشكيل لوبيات سياسية نفعية لا تهتم بصوت الشعب ولا تستمع إلى نقده، وهو ما زاد فقدان ثقة المجتمع بالحكومة والنظام، حيث تم التغيير على أساس حزبي مصلحي، انقاد خلاله روحاني لرغبات التيار المتشدد والحرس الثوري وبيت خامنئي متجاهلا أي اهتماما بمطالب الشعب ومصالح إيران، والخبراء يعتبرون هذه الخطوة قد تزيد من صب الزيت على النار، ولن يكن لها أي أثر إيجابي على إدارة اقتصاد البلاد.

وفيما يتعلق باستخدام طرف ثالث – سواء دول أو شركات خاصة – في بيع وتصدير النفط الإيراني فإن ذلك لن يكون في مصلحة إيران اقتصاديا أو ماليا، بل أن الأرباح سوف تنقسم إلى عدة جهات تكون فيها إيران خاسرة من الناحية التجارية، حيث أن تكلفة انتاج ونقل وتخزين المواد النفطية الإيرانية ستكون متساوية أو ربما أعلى من حصة إيران في أرباح البيع والتصدير، ما يعني زيادة الحمل على خزينة الدولة، إضافة إلى الشروط التي سيضعها الطرف الآخر والتي قد تعتبر اختراقا لإدارة إيران لمواردها النفطية.

وحول تخصيص 9.5 مليار دولار لتوفير السلع الأساسية للشعب، فإن ذلك سيكون تأثيره ومفعوله محدود الحجم والوقت، فمشكلة التضخم المفرط في الاقتصاد الإيراني، يختلف عن التضخم العادي، فالتضخم المفرط قادر على أن يسحق جميع البرامج والخطط الاقتصادية، ويجعل من المستحيل تحقيق إيجابيات في القطاعات الاقتصادية، فضلا عن أن هذه الظاهرة أي التضخم المفرط، تقود إلى أنشطة اقتصادية مختلفة تضر باقتصاد البلاد، مثل التجارة في العملات الصعبة، والتهريب، واحتكار السلع والبضائع، وغير ذلك، والتضخم المفرط بعبارة أخرى خاص بالزمن الذي ترتفع فيه الأسعار بسرعة كبيرة، وتتراجع في المقابل قيمة العملة الوطنية، وتخصيص مبالغ لتوفير السلع الأساسية سيكون بمثابة ذر الرماد في الأعين فقط، ووفقا للتقارير الصادرة من الداخل الإيراني، فإن فترة سيطرة البنك المركزي على إنهيار العملة الوطنية الإيرانية أمام العملة الصعبة سوف تكون قصيرة، وهي الآن في حالة تذبذب، ومن المتوقع أن تشهد العملة الوطنية موجة إنهيار جديدة بعد دخول الحزمة الثانية من العقوبات الأميركية على طهران في الرابع من نوفمبر المقبل.

 فالاقتصاد الإيراني اليوم متأزم للغاية، وهذه الأزمة ألقت بثقلها وأضرارها على حياة الناس، لذا فإن غالبية الشعب الإيراني يمرون بظروف معيشية صعبة، والتضخم المفرط الذي يخنق الاقتصاد الإيراني صار كالشبح المرعب، إذ يتسبب يوميا في انخفاض قيمة العملة الوطنية، وفي المقابل ترتفع أسعار العملة الصعبة، وما يتوقعه الناس من المسؤولين في مثل هذه الظروف هو إصلاح برنامجهم الاقتصادي بأسرع ما يمكن للخروج من الأزمة، وإلا فسيفوت الأوان، ما يعني أن كافة الخطط والبرامج التي وضعتها الحكومة الإيرانية لم تثمر ولن يكن لها أي نتيجة إيجابية على الداخل الإيراني، وهو ما يعيه النظام والحكومة والشعب معا.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

30 أكتوبر 2018