مؤشرات عديدة تنير الطريق أمام تعقب الأوضاع في إيران وطرح التوقعات المستقلبة لما ستؤول إليه الأمور بعد تطبيق العقوبات الأكثر صرامة على النظام الإيراني، وتفعيل نهج الحزم والجدية في وضع حد للسلوك الإيراني المخرب وأنشطة الحرس الثوري الإرهابية في دول المنطقة والعالم، لا سيما بعد الفضائح التي مني بها النظام الإيراني في تورطه بمحاولات اغتيال لشخصيات إيرانية معارضة في أكثر من دولة أوروبية، وضلوعه في محاولة تنفيذ هجمات إرهابية في المؤتمر الأخير الذي أقامته المعارضة الإيرانية في باريس.

وفي الحقيقة فإن كافة المؤشرات تقودنا إلى وضع العديد من الحتميات التي ستصل إليها الأوضاع في إيران، أولها تفاقم حدة المشاكل والأزمات الاقتصادية والمعيشية وعلى رأسها الفقر والبطالة والتضخم ومزيد من إنهيار العملية الصعبة وارتفاع الأسعار رغم المليارات التي خصصتها حكومة روحاني لتوفير فرص العمل والسلع الأساسية والضرورية، فقبل فرض العقوبات وأثناء رفعها في العامين الماضيين، استمرت الأزمات المذكورة بالتفاقم رغم الانفراجة المالية التي حظيت بها طهران جراء بيع النفط وتحرير الأموال المجمدة، ما يعني أن هذه الانفراجة ستتحول إلى عضالة كبيرة تسير بالأمور إلى أسوأ الأحوال بكل تأكيد، وبالرجوع إلى معدلات الفقر وبالطالة والتضخم ومسيرة إنهيار العملية الإيرانية، قبل تشديد العقوبات عام 2011 وأثناء تشديد العقوبات، وبعد رفع العقوبات عام 2016، ومن ثم وضع نتائج لدراسة هذه المسيرة تتعلق بما ستصل إليه هذه الأزمات بعد تطبيق العقوبات الأشد على إيران، فإن البطالة سترتفع إلى أكثر من 30% وفي بعض المناطق إلى أكثر من 50%، وسيهاجم الفقر غالبية الشعوب الإيرانية ليصل ما بين 80% إلى 90% خلال عام أو عامين، والتضخم سيرتفع إلى أكثر من 45%، وهي معدلات لا يمكن لأي مجتع الصبر عليها أو تحملها لبضعة أشهر نتيجة تداعياتها وما تسببه من مشاكل سياسية وأمنية واجتماعية تفرض على المواطنين التحرك تلقائيا لإنقاذ البلاد من الهلاك، والخروج في انتفاضة شعبية عارمة تطيح بنظام الحكم.

وحسب تكتيكات العقوبات الأميركية على طهران وغاياتها المقننة، فإن الهدف الرئيسي والبدائي لها هو إيصال سعر الدولار إلى أكثر من 20 ألف تومان، وهناك كثيراً من الجماعات الناشطة في أميركا درست آليات العقوبات وعملت عليها لإنجاحها، إلا أن الحكومة الإيرانية تصرفت ببطء وتأخير شديدين وتفتقد لآليات وأدوات المواجهة، ما جعل تحقيق الهدف الأول وهو وصول سعر الدولار إلى أكثر من 20 ألف تومان أمر محتوم ومحقق، وخلال هذه العقوبات، وما ستفرضه الولايات المتحدة من عقوبات على البنوك التي ستتعامل مع إيران بعملاتها الوطنية بحرمانها من التعامل بالدولار، ستدخل العملة الوطنية الإيرانية في مستنقع جديد تتحول فيه إلى أحد أهم أسباب إنهيار الاقتصاد الإيراني بشكل عام.

وبعد بدء تطبيق العقوبات على طهران اليوم، فإن أي شخص ينتهك هذه العقوبات سيعاقب على ذلك، وهذا الأمر يشمل الدول التي تتعامل مع إيران بطريقة غير مباشرة والبنوك، وفي هذه الحالة تكون العقوبات عالمية وليس كما يدعي مسؤولو النظام الإيراني أنها أحادية أميركية، وموضوع منح الولايات المتحدة بعض الدول مهلة شهرين فقط لإيصال مشترياتها من النفط الإيراني إلى الصفر، فإنها تسعى من خلاله إلى تفعيل طاقات الدول الأخرى لتعويض النفط الإيراني، خاصة أن السعودية على استعداد تام لتعويض هذا النقص، ومن هنا فقد عالجت أميركا موضوع احتمالية تعرض بعض الدول إلى نقص في استيراد النفط، لتبحث عن فرصة بضعة أشهر لتتمكن خلالها من إيجاد مصادر أخرى لخفض الطلب على النفط الإيراني، وهذا من وجهة نظر أميركا نوعا من المساعدة لحلفائها، لكن طلبها الذكي بتقليص مشترياتها من النفط الإيراني تدريجيا، مع شرط دفع الثمن على شكل سلع، يمكن أن يضع الدول التي لا تزال تتضامن مع إيران على الطريق التي تريدها الولايات المتحدة، ما يعني تحقيق كافة أهداف العقوبات الأميركية وتحويلها إلى عقوبات عالمية، وهو الأمر الذي لا يزال غائباً عن أذهان قادة النظام الإيراني الذين يتعاملون مع هذه العقوبات بخطابات شعبوية وشعارات نارية لا تسمن ولا تغني من جوع.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 نوفمبر 2018