تخفي قطر حجم مأساتها من عودة العقوبات الأميركية على إيران وبصورة أكثر صرامة، بل أن قادتها يذرفون الدموع خلسة متوجسين من قادم أسوأ عنوانه الأبرز “قطر أكثر عزلة ووحدة”، فإما أن تختار الدوحة بنفسها العزلة والابتعاد عن إيران خشية الكي بنار العقوبات، وإما أن تواجه خطر خرق العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والتي دخلت حيز التنفيذ أمس الإثنين، وذلك من خلال استمرارها في علاقاتها مع النظام الإيراني الأكثر نفرة وعزلة على المستوى الإقليمي والعالمي.

إن ما أقامته قطر من علاقات متهورة مع الجانب الإيراني لا سيما في سياق الشراكة في إنشاء خطوط ملاحة بين موانئ البلدين، وتأسيس حسابات مصرفية وتطوير التبادلات التجارية وتوسيع دائرة الإستيراد والتصدير، يعد الآن خرقا للعقوبات الأميركية، والاستمرار بها يعني أن قطر ستنكوي بنار العقوبات الأميركية، أي أن استمرار قطر في دعمها وتعاونها مع النظام الإيراني اقتصاديا وتجاريا، سيكون له عواقب وخيمة على الدوحة، وستقاسم إيران شراكة الشعور بالإنهيار، فتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب واضحة، حيث أكد أن الدول التي ستخرق العقوبات المفروضة على إيران ستتعرض لعقوبات قاسية، وهو ما وضع النظام القطري في مأزق تاريخي، فهو غير قادر الآن على فك ارتباطه بالنظام الإيراني الذي ارتمى بأحضانه واستقوى به ضد الأشقاء العرب، وفي الوقت نفسه فإنه لن يكون قادراً على تحمل العقوبات الأميركية.

لقد سارعت الدوحة بتخبط وعدم دراسة متأنية، إلى توسيع وتطوير علاقاتها مع إيران، حتى أصبحت محل استغلال لدى الأخيرة، التي أعدت قطر لتكون ممراً لها في حال فرضت الولايات المتحدة عقوبات على إيران، فتعاملت الأخيرة مع قطر على هذا الأساس، واستطاعت تشكيل ممرات ومراكز إيرانية في قطر وتحويلها إلى أدوات للاتفاف على العقوبات دون إدراك ولا وعي من قبل رموز النظام القطري، فهندست إيران علاقاتها مع قطر على أسس وبرامج وطرق يمكن استغلالها في حال فرضت العقوبات، مثل تعزيز التعاون بين موانئ البلدين، وزيادة حركة المرور بين ميناءي “بوشهر” الإيراني، و”حمد” القطري، وإنشاء خط بحري جديد لتعزيز التجارة بين البلدين، وزيادة حجم الصادرات الإيرانية إلى قطر، مع إمكانية نقل البضائع العابرة من تركيا والدول المجاورة الأخرى إلى موانئ قطر، باستخدام خطوط الشحن المناسبة من ميناء بوشهر إلى ميناء حمد، أي أنها عملت على توريط قطر في إجبارها على الدخول في مأزق العقوبات ومقاسمتها آثارها المدمرة.

ومن ناحية أخرى، فإن إيران أيضا اتبعت نهجا استغلاليا بعقد اتفاقيات مع الدوحة تجبر الأخيرة على دفع حصة من إيراداتها المالية من بيع الغاز لإيران بذريعة تقاسم البلدين حقل الغاز القطري، والتي تمت مقابل سكوت إيران عن أي كمية تستخرجها قطر من هذا الحقل، ما سيعتبر خرقا آخر للعقوبات لن يكون مجهولا لدى الإدارة الأميركية التي أصبحت على خبرة عالية في التعامل مع العقوبات ومراقبتها بكشل دقيق.

إن صمود قطر في الثبوت على مواقفها العدائية تجاه الدول العربية ما كان ليكون لولا دعم إيران وأذرعها وأدواتها في المنطقة، وها هي إيران الآن تلتقط أنفساها الأخيرة، وستلجأ في أقرب وقت إلى لملمة جراحها والإنشغال بأزماتها الداخلية التي ستؤجج الشعوب الإيرانية على نظام الحكم بكل تأكيد، ويبدأ العقد الإيراني بالإنفراط والإنهيار تدريجيا، بحيث تصبح قطر أكثر عزلة ووحدة، ودون أي داعم أو مؤيد.

فالدوحة الآن أمام خيارين، إما العزلة والابتعاد عن إيران، وهو أمر سيكلفها الكثير، وإما الإصرار على علاقتها مع طهران وهو ما سيكلفها أكثر، وفي كلتا الحالتين، فإنها ستكون بحاجة إلى دول الخليج وخاصة السعودية والإمارات أكثر من أي وقت مضى، ولن يكون أمامها أي خيار آخر سوى الاستسلام لمطالب الرباعي العربي وطلب العودة إلى الحضن العربي والصف الخليجي، سواء بوجود النظام الحالي أو نظام آخر غيره.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

6 نوفمبر 2018