يتنافس المسؤولون الإيرانيون في”التقليل” من حجم العقوبات الجديدة على بلادهم، فمنهم من اعتبرها دون تأثير، وآخرون رأوا فيها أضرارا طفيفة يمكن لإيران مقاومتها، وفريق ثالث أكد أن تأثيرها وأضرارها لن تعود إلا على الاقتصاد الأميركي، بينما إيران وقطاعاتها الاقتصادية في مأمن منها.

في المقابل، تبارى الخبراء والمختصون الإيرانيون في “التوعية الحقيقية” من خطورة هذه العقوبات ومدى تأثيرها على المدى القصير والبعيد، فمنهم من رأى أنها الأصعب والأقسى على إيران، ولا يمكن مواجهتها مطلقا، واستمرارها لفترة تزيد عن سنتين يعني أن الاقتصاد الإيراني في طريقه إلى الإنهيار الشامل، والبعض يقدر قدرة إيران على الصمود أمام هذه العقوبات لن تتجاوز العشرة أشهر، أي أقل من سنة، لأن هذه العقوبات أصابت قلب الاقتصاد الإيراني والشريان الرئيسي لخزينة البلاد وهو النفط، لذا فإنه من الخطورة للغاية أن يختبر النظام قدرة البلاد على مقاومة هذه العقوبات لأنه ضرب من الجهل وانعدام الخبرة والدراية الحقيقية بنتائج وتداعيات هذه العقوبات.

فريق آخر يحمل الحرس الثوري وبيت المرشد والتيار المتشدد مسؤولية ما ستؤول إليه البلاد بسبب الإصرار على هذه السياسة وتعريض البلاد لخطر الإنهيار بسبب العقوبات، وهو الفريق المعارض في الداخل الإيراني، والذي يتعرض لعملية قمع شديدة تنتهجها القوات الأمنية، بسبب مطالباته المستمرة بإجاراء مفاوضات جديدة مع الولايات المتحدة والموافقة على شروطها، والتي من بينها تسليم الإرهابي قاسم سليماني، وإنهاء سيطرة الحرس الثوري على شؤون البلاد، فالأمر يقضي أن تغير إيران من سياساتها وتوقف تدخلاتها ودعمها للإرهاب وتنهي سيطرة الحرس الثوري على شؤون البلاد وتتقيد بالقوانين والاتفاقيات الدولية لكي تتجنب العقوبات التي ستؤدي بكل تأكيد إلى إنهيار تدريجي للدولة الإيرانية يتسبب في نشر الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار ومواجهات عنيفة بين الشعوب والسلطات الإيرانية.

وفي الحقيقة فإن ما يراه الفريق الثالث، وهو ما بات أكثر انتشارا في الداخل الإيراني، بمعنى أن المعارضة الإيرانية الداخلية للنظام الإيراني والحرس الثوري بدأت تتسع بشكل غير مسبوق، وهذا التوجه قد شق طريقه أيضا إلى رموز سياسية وعسركية، والتي بدأت ترى ضرورة تغيير السياسة الإيرانية بالكامل وخاصة الخارجية لتجنب العقوبات المدمرة للبلاد، وقد أدى انتشار هذا التصور إلى جلب الكثير من الرموز الوطنية في الداخل الإيراني، سواء على الصعيد السياسي أو الديني أو الاجتماعي والثقافي، وهو توجه يستقطب يوميا المزيد من المثقفين والوطنيين، وهو ما أصبح موضع قلق لدى النظام والحرس الثوري الذي بدأ ينتهج أسلوب طمس أفكار هذا التوجه ومحاولة إحرافه وتخريبه أمام المجتمعات الإيرانية بالإدعاء أنه توجه يخدم أميركا والصهيونية ويسيء للدولة والعزة الإيرانية، ويتهم مروجوه بالخيانة والفساد في الأرض وغيرها من التهم التي لا تعد ولا تحصى، وجميعها ينتهي بالحبس أو الإعدام أو التعذيب حتى الجنوب.

لكن هناك مؤشرات تثبت اتساع هذا التوجه بشكل يومي، ما يعني أن أساليب النظام السياسية والأمنية قد فشلت حتى الآن في محاصرته أو وأده، ويعتمد تقوية وتعزيز هذا التوجه على أمور ستحدث بكل تأكيد في إيران، وهي ارتفاع الفقر والبطالة والتضخم وتفاقم حدة الأزمات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والتي تعتبر دوافع أساسية وهامة في انضمام الشعوب الإيرانية إلى هذا التوجه، والإصرار على تغيير نهج البلاد، والذي حسب رأي الخبراء لا يمكن أن يكون في ظل النظام الحاكم، وهو ما أصبحت الشعوب الإيرانية تدركه تماما وتنتظر الفرصة لأجل الثورة والانتفاضة على هذا النظام وإنهاء حكمه التي جلبت الويلات والأزمات للبلاد وجرتها إلى حافة الهاوية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

7 نوفمبر 2018