اختلفت الآليات والمنهجيات التي ارتكزت عليها الدوحة في ممارسة سياساتها الخارجية والداخلية، وتشعبت الأهداف وتبعثرت الرؤى بين تعدد الأطماع الأجنبية التي تخدم مشاريع إقليمية توسعية في الدوحة نتيجة ضعف نظامها، ما جعل قطر تعاني من “تخبط شديد” في صياغة القرارات، و”تعجل مظلم في اتخاذها، و”وهن إدراكي” في تقييم نتائجها وعواقبها، وارتهان قراراتها السيادية وتوجهات رموز نظامها بإرادة قوى إقليمية تسعى إلى تحقيق أطماعها تحت غطاء الدين والإسلام السياسي.

يرجع ذلك إلى أسباب عديدة على رأسها ضعف النظام القطري وفشله في إدارة البلاد سياسيا واقتصاديا، واعتماده على مستشارين مؤدلجين استطاعوا خداع النظام القطري بحفنة من الأقاويل والشعارات وبعض التقارير والدراسات التي بنيت على منافع تخدم أجندات أجنبية في الداخل القطري، ونجاح تنظيم الإخوان ونظام إيران في اختراق المؤسسات القطرية عبر رموز تنيظم الحمدين والسيطرة على نهج وسلوك قطر خاصة السياسي والإعلامي.

السبب الأبرز يمكن صياغته في قالب “الانخداع بالفانوس السحري” الذي يملكه تنظيم الحمدين، وهي الأموال الطائلة التي ظن أنه يمكن من خلالها فقط أن يجعل قطر تحصل على كل ما تريد، ويحولها إلى قوة مؤثرة إقليمية وعالمية عبر شراء الولاءات والذمم ودفع الرشاوي لتكميم الأفواه وحشد المواقف الداعمة، ودفع أثمان صمت الدول عن دعم قطر للجماعات الإرهابية وسلوكها التخريبي في المنطقة، متناسيا النظام القطري أن هناك قضايا وإشكاليات لا يمكن معالجتها عبر الرشاوي ودفع الأموال، وخاصة إذا تعلق الأمر بالأمن القومي لأي دولة، ومس أمن واستقرار الشعوب، وهي نقطة مفصلية لا يمكن أن تخدم طموح الحمدين في دفع الفدية لأجل الصمت عنها.

لقد عملت بعض القوى الإقليمية ذات الأهداف التوسعية على اختراق الدوحة والسيطرة على قراراتها السيادية لأسباب وأهداف خطيرة أهمها شق الصف العربي والخليجي لإضعافه في مواجهة الإرهاب الإيراني والإخواني، وتحويل الدوحة إلى مركز تخريب وتجسس ضد مصالح الدول العربية، وتحويلها إلى غرف وميادين لوضع الخطط والمؤامرات التي تستهدف الدول الداعمة لمكافحة الإرهاب وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

 والأهم السيطرة على الأموال القطرية الهائلة، وتحويل مسارها من خدمة الدول العربية إلى تدمير الدول العربية، أي من دعم التقدم والتطور في الدول العربية، وهو ما يقف عائقا أمام مشاريع هذه القوى التوسعية ومخططات التنظيمات الوصولية الدولية، إلى دعم وخدمة أجندات ومخططات هذه القوى والجماعات، واستغلال هذه الأموال لنشر الفوضى والفتن والاقتتال في الدول العربية لإضعافها وإرهاق مؤسساتها الأمنية والعسكرية والاقتصادية، ليتسنى لها اختراقها وتمرير مشاريعها ومخططاتها، وهو ما يكشف سر التحام التخطيط، وتنسيق العمل، وتوحيد الأهداف، بين إيران وتركيا وتنظيم الإخوان حول الأزمة القطرية، والاستماتة في دعم تنظيم الحمدين للصمود على مواقفه العدائية تجاه الأشقاء العرب، وهذه التدخلات هي السبب الرئيسي في تعنت قطر وإصرارها على دعم الإرهاب ونشر الفوضى والاقتتال والإبقاء على الأزمة وحالة الانقسام.

وبالنظر إلى ما آلت إليه الأمور في الداخل القطري، وما سببته سياسات وقرارات الحمدين المرهونة بيد إيران والإخوان من أزمات ومشاكل للدول العربية، تنكشف حالة الغلفة والتخدير التي تسيطر على رموز النظام القطري، وتؤكد النظرية التي تقول أن الحمدين يغط في سبات عميق، فنتائج سياساته التي جلبت الأزمات السياسية والاقتصادية للبلاد أكبر دليل على أن قرارات الدوحة تتأثر بكشل كبير بإرادة قادة الحرس الثوري وتنظيم الإخوان، وربما تصل إلى حد الهيمنة والسيطرة عليها بالكامل، وليس من الصدفة أن تتحول الأموال والثروات القطرية إلى السكين التي تذبح بها الشعوب العربية و المصدر الأساسي لتمويل الجماعات الإرهابية التي تأتمر بأمر إيران وتنظيم الإخوان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

8 نوفمبر 2018