تشير تجارب الحياة الإنسانية في كل العصور والأزمنة إلى أن خيانة الأوطان من الأخطاء الفادحة التي يكون لها ثمن باهظ. وثمن الخيانة يدفعه الخائن من خلال شعوره الدائم بالذل والحرمان من الإحساس بالانتماء والعجز عن تقديم العطاء الذي يمنحه الإنسان لوطنه ومجتمعه. لكن في الوقت ذاته عندما يكون لخيانة الوطن هذا القدر من التداعيات النفسية، فإن الإحساس بثقل وفداحة تلك التداعيات يتطلب المزيد من يقظة الضمير وحب الانتماء. أما الخونة الذين قبلوا بالارتزاق وبلغوا مرتبة متقدمة من الانسلاخ عن الوطن وفقدان الهوية، فإنهم يستمتعون بالإذلال والمهانة، ولا يشعرون بأي حنين للوطن. بل مع مرور الوقت يبررون الإذلال الذي عرَّضوا أنفسهم للوقوع فيه، وهذا بالضبط هو حال الإرهابي الهارب في بلاد الأناضول المدعو حسن الدقي الهوتي. والطريف أنه في أحدث تغريداته يشكر السلطات التركية لقيامها باعتقاله ومنعه من مغادرة منطقة اللجوء!
بعد أن قرر المذكور التخلي عن ولائه وانتمائه للإمارات وأصر على أن يسلك درب الخيانة ونكران الجميل، اختار أن يقذف بنفسه في جحيم العمالة والارتزاق والعيش في أوهام المنفى السياسي الذي اختلقه ورسم أكاذيبه ثم صدَّقها. بينما يعرف المطلعون أن المذكور هارب من العدالة نظراً لتبنيه فكر التطرف والإرهاب. وتاريخه الأسود منذ تقاعده المبكر من الوظيفة يشير إلى أنه يحفل بتنقلات بين مختلف الجماعات المتطرفة، ابتداءً بتنظيم الإخوان الإرهابي ثم وقوفه إلى جانب جماعات «القاعدة» و«داعش» في سوريا ومحاولة رفدها بعناصر إضافية والتبرير لإرهابها.
ظل المذكور يعيش مجهولاً في تركيا لفترة، وتقرب من بعض أعضاء الجماعات التكفيرية وروّج لنفسه على أنه مفكر خارق، بينما لا أحد يصدق هذا الوهم سواه. وأخيراً جاءت الصفعة التي تلقاها قبل أيام من السلطات التركية التي اتضح أنها تعامله مثل أي غريب أو سائح متخبط أضاع طريقه. وبالفعل فقد قطع المذكور صلته بوطنه ونسي طريق العودة إلى أهله الذين خانهم وصمم على أن يكون منبوذاً وطريداً، في سبيل أن يتمسك بمشروع تيار الإرهاب الذي أصابه بلوثة عقلية أفقدته توازنه النفسي.
كان يطبل للدولة التي هرب إليها ويتغنى بالمشروع الإخواني الإرهابي، ثم وقع أخيراً ضحية لأوهامه وتنظيراته التي رسمها مثل فقاعات، وعندما يلتفت إلى ماضيه القريب لا يجد خلفه غير السراب وخداع الذات. فبعد أن اعتقلته الشرطة التركية ارتبك وظن أنه سيكون فوق القانون. ثم رضخ وقبل بالإذلال الذي تعرض له. كما أن حدث اعتقاله كان صادماً ومفاجئاً لمجموعات إخوانية أخرى تخشى أن يأتي الدور على أفرادها وتخضع للاعتقال من قبل السلطات التركية، لذلك احتفلت بإطلاق سراحه الذي ما تزال شروطه التفصيلية غير معروفه، ومن المؤكد أن السلطات أفرجت عنه بعد إملاء شروط وأوامر لا يملك إلا أن يلتزم بها وينفذها. وقد اعترف ببعضها مثل تحديد مكان إقامته في مدينة نائية، ومنعه من دخول اسطنبول بقوة القانون.
الغريب أن حسن الهوتي المتخفي في ثياب لاجئ لا يزال يعتقد أنه مفكر وفيلسوف، وأن اعتقاله من قبل الشرطة في اسطنبول خطأ بسيط! رغم الإهانة التي تعرض لها ووضع نفسه فيها بإرادته مقابل أن يستمر في خيانة الوطن. ولم يراجع أفكاره الضالة التي أوقعته في هذا المأزق حتى الآن. ورغم الاعتقال وما رافقه من إهانة، كان أول ما قام به الذليل حسن الهوتي فور خروجه من قبضة الشرطة التركية هو التوجه بالشكر إلى تركيا، لأنها تكرمت عليه بتمديد إقامته على أراضيها. كما برر في تغريدات أخرى اعتقاله ممتدحاً السلطات التركية!
وهكذا كان ثمن الخيانة المزيد من الإذلال وتحديد مكان الإقامة ليبقى في مساحة محصورة. هذه المعلومات ذكرها بنفسه في تغريدات متفرقة، بدأها بخبر اعتقاله الذي كان ممزوجاً بشيء من القلق والاستغراب النابع من شعوره المضحك بأنه شخصية محورية بارزة، بينما اتضح أنه مجرد مقيم عابر وهامشي ليست له امتيازات من أي نوع لدى السلطات التركية. وهذا هو حال كل الخونة الذين يتم استخدامهم كأدوات وقفازات، وعند الحاجة يتم استدعاؤهم أو وضعهم على الرف.

رابط المقال بجريدة الاتحاد:ثمن الخيانة.. «الدقي» نموذجاً

بقلم:د.سالم حميد

11 نوفمبر 2018