أكار كانت صفعة لقطر أكثر من غيرها، وتأكيدا لما تطرحه الرؤى الاستراتيجية العربية والخليجية المحذرة والمستيقظة للأطماع التركية.

لم تكن تصريحاتتصريحات  صادمة أو غير متوقعة، تلك التي أطلقها نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي مهدي أكار، بخصوص وضع قطر تحت السيطرة التركية المطلقة. بل إن ما قاله ينطبق حرفياً على قطر التي سلمت بالفعل سيادتها للنفوذ التركي بسهولة وبشكل عملي مباشر، وذلك منذ أن وطأت أقدام الجنود الأتراك أرض قطر، بالتزامن مع إصرار الدوحة على الانسلاخ عن البيت الخليجي، ومنذ أن وقعت في فخ رفضها القيام بأي جهد للتخلي عن دعمها للمجموعات والمنظمات الإرهابية والتخريبية التي لم تبخل عليها بالمال والإعلام والإيواء. الأمر الذي أوصلها إلى تسليم سيادتها لتركيا وإيران ولمجموعات الإسلام السياسي التي تتحكم بشكل كامل بنهج قطر الإعلامي ومواقفها الخارجية، وصولا إلى حقائبها الدبلوماسية التي تشحنها وهي محملة بالأموال الطائلة لدعم منظمات وجهات متطرفة هنا وهناك.

أوصلت تصريحات مهدي أكار رسالة تركية تكتظ بالعنصرية والهيمنة الاستعمارية تجاه العرب. فكل سطر من كلامه بحاجة إلى تحليل وتأمل للكشف عن المزاج التركي المتعالي الذي لا ينافسه سوى المزاج الإيراني الطائفي. ومما تم نقله على لسان أكار قوله إن العرب لا يستطيعون أن يديروا شؤونهم بنجاح، لهذا كانوا دوماً تحت سيطرة دول أخرى. ثم قام بالبناء على تلك الفرضية التي اختلقها ليرى جازماً حسب زعمه أن تركيا ما زالت هي الخيار الأقرب والأنجح لقيادة شؤون العرب! وتلميحاً إلى وقوع الدوحة في الفخ التركي ذهب إلى القول إن هناك بعض الدول العربية التي باتت تسلم بأن تركيا ما زالت هي الخيار الأقرب إلى قيادة شؤون العرب.

بعد هذا المنطق الاستعماري المستفز لا يمكن لأي عربي عاقل إلا الحذر وعدم الوقوع في الفخ التركي كما حدث لقطر. ومن المؤسف أن تصبح قطر بعد هذه التصريحات مجرد نموذج لدولة غنية ماليا لكنها فاشلة سياسيا ، بدليل أن هناك من تجرأ على اعتبارها تحت سيطرته.

تصريحات أكار كانت صفعة لقطر أكثر من غيرها، وتأكيدا لما تطرحه الرؤى الاستراتيجية العربية والخليجية المحذرة والمستيقظة للأطماع التركية، والتي ترى أن الانفتاح على تركيا ينبغي أن يكون مسيجاً بوضع حد لأي أطماع تركية تحاول أن تعيد استنساخ الهجمة العثمانية على المنطقة باسم الخلافة. لأن الماضي القريب للنفوذ التركي العثماني على المنطقة العربية لم يكن ورديا، بل كان همجياً ومتخلفاً إلى أقصى الحدود. وكانت التحذيرات الخليجية للجارة المتهورة من الاستسلام للنفوذ التركي تترافق مع دعوتها للعودة إلى البيت الخليجي، لكن الدوحة قررت أن تجعل من نفسها فاتحة لشهية الأطماع التركية في المنطقة العربية. وعلى هذا المنوال وبناء على الخلفية التاريخية العثمانية التي لا تزال تداعب أذهان الساسة الأتراك، جاءت التصريحات التي تعتبر العرب كلهم مثل القيادة القطرية التي هرولت باتجاه تركيا، وذلك بهدف الهروب من الانسجام السياسي والثقافي والأمني مع محيطها الخليجي والعربي الواسع.

أرادت قطر أن تنتهج الانحياز الرسمي والإعلامي والمالي إلى جانب تيار الإسلام السياسي ومشروعات الفوضى الهدامة في المنطقة. وهذه هي خصوصيتها التي لا تبعث على أي فخر أو ذكاء، ولذلك تخفيها عن شعبها وتدعي أنها تعيش حالة من المظلومية والمقاطعة غير المبررة. بينما اتخذت دول المنطقة قرارات جماعية لحماية أمنها وسيادتها من التطفل القطري الذي يستخدم أذرع الإرهاب وخلاياه وبرامجه التفكيكية التي تحاول هدم واستئصال أمن واستقرار الشعوب وشرعية حكامها، تحمي قطر نفسها بالنفاق والإنفاق السخي على جماعات التطرف التي تتسلق باسم الدين لكي تحقق أهدافها وتطلعاتها التسلطية القائمة على الرغبة في نهب وتوظيف ثروات الخليج لصالح مشروع التمكين السياسي لتيار استغلال الدين.

إن أي عربي فخور بثقافته واستقلاله من الاستعمار، لا يملك إلا أن يغضب ويحزن في الوقت ذاته تجاه الوضع الذي وصلت إليه قطر، لأنها برضوخها للنفوذ التركي سمحت للساسة الأتراك بالحديث عن العالم العربي وكأنه في حالة انتظار دائم لجنود “العصملية” لكي يعودوا من جديد لبسط نفوذهم العثماني. كما يتوقع الأتراك أو العثمانيون الجدد أن شعوب المنطقة سوف تستقبلهم بالورود، وهم واهمون جداً ولا يقرأون التاريخ جيدا. إذ لا يمكن للاستعمار العثماني الذي تم طرده بالكفاح والتضحيات أن يعود من جديد وبالسهولة التي يتوقعها أذياله.

صحيح أن نبرة تصريحات نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي مهدي أكار فيها قدر كبير من التباهي والفخر، عندما قال بتعال ما يفيد بأن قطر أصبحت تحت السيطرة التركية. لكن رغم الخلاف القائم حالياً والقطيعة المستمرة مع قطر، إلا أننا في دول الخليج لا نرحب ولا نفرح بهذه التصريحات المستفزة، ولا نريد لدولة خليجية أن تكون تحت سيطرة ونفوذ تركيا أو إيران، مهما كان خلافنا معها. والدعوة أصبحت واجبة للشعب القطري الشقيق للتنبه إلى الورطة التي تتعمق وإلى السيادة القطرية التي تنتهك والتي أصبحت على لسان المسؤولين الأتراك بمثابة نموذج للنجاح التركي في اختراق سيادة دول المنطقة وأمنها القومي.

تصريحات أكار المتعالية تذكرنا بتصريحات إيرانية مشابهة، وهي تلك التي أطلقت عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء، وحينها اعتبر الإيرانيون أن صنعاء هي العاصمة الرابعة التي تقع بأيديهم بالتعاون مع حلفائهم بعد بيروت ودمشق وبغداد. فهل يقصد الأتراك على لسان مهدي أكار أن الدوحة هي العاصمة العربية الأولى التي تسقط بأيديهم؟ وماذا عن نفوذ تركيا في سوريا وتطفلها على المشهد السوري؟

إن النفوذ التركي الذي يرتهن البعض بأطماعه يأتي لكي يحاول استكمال حلقة السيطرة ويتقاسم النفوذ على المنطقة مع إيران وعملائها. والهدف هو اختراق سيادة دول المنطقة وتهديد أمنها القومي. لكن ذلك لن يحدث بسهولة. فليست كل دول المنطقة مثل قطر التي تحركها رياح المخاوف والأحقاد وتدفعها إلى أن ترهن سيادتها لكل من تركيا وإيران، بل وتسمح لقطعات وكتائب من الجيش التركي بالتواجد على أراضي قطر بسرعة البرق ودون أي شعور بانتهاك السيادة.

لقد كانت عناوين تصريح المسؤول التركي مستفزة للغاية، وفي الوقت ذاته كاشفة عن التفكير الاستراتيجي التركي المستقبلي بوضوح لا لبس فيه. وإذا كانت السياسة التركية الخارجية بوجوهها الدبلوماسية الرسمية تحاول إخفاء الأهداف الحقيقية من وراء الاهتمام التركي المفاجئ بالمشرق العربي وبالتحول عموماً نحو المنطقة العربية، فإن بعض الساسة الأتراك مثل مهدي أكار، يتحدثون بوضوح، من داخل البنية السياسة التركية المحلية وصراعاتها الحزبية، وربما انكشفت الأسرار وظهرت التصريحات المستفزة لأسباب انتخابية محلية تركية، فمهدي أكار وأمثاله من المسؤولين الحزبيين عندما يوجهون خطابهم الدعائي نحو الداخل التركي فإن الهدف يكون الكشف عن عضلات ونفوذ تركيا الخارجي وتفاخرهم بذلك أمام قواعد الأحزاب والمناصرين لها. لكنهم في الوقت ذاته يكشفون أطماع تركيا وتساعد وسائل الإعلام في وقتنا الحاضر على إزالة المسافة الفاصلة بين الخطابات والتصريحات السياسية المحلية الموجهة للداخل، وتضعها أمام المتلقي خارج الحدود فتكشف المستور وتفضح التوجهات المغلفة بالخداع.

رابط المقال بجريدة العرب: تركيا تعترف بالسيطرة على قطر وتطمع بنفوذ أوسع

بقلم: د. سالم حميد

12 نوفمبر 2018