لم يعد أمام طهران أي وسيلة مقاومة سوى اللجوء إلى بروباغندا ممنهجة في مواجهة العقوبات الأميركية، وتخلو مكاتب الحكومة من أي برامج أو خطط فعالة يمكن من خلالها الصمود لفترة طويلة أمام هذه العقوبات، لا سميا أن صاحب السلطة والقرار الحقيقي في إيران هي مؤسسة الحرس الثوري وبيت المرشد ليس لديهم أي قدرة على إدارة اقتصاد البلاد بشكل سليم، لأن خططهم قد أقيمت على أساس خاطئ، وما بني على خطأ سيستمر خطأ، ففكر الحرس الثوري، وأسس إدارته للداخل، تعتمد بشكل أساسي على سيطرته على القطاعات الاقتصادية والاستثمارية في البلاد، وكيفية توزيع الموارد المالية بما يخدم مشاريعه التوسعية في المنطقة لا المشاريع التنموية في الداخل الإيراني.

لذا فقد لجأت إيران وبتوجيه من قيادات النظام والحرس الثوري إلى الاعتماد على الإعلام في تخفيف حدة تأثير العقوبات، والتأكيد على أن إيران ستتجاوز هذه الأزمة، ولكن دون تقديم أي برامج فعلية أو دلائل على ذلك، بينما تؤكد الدراسات أن العقوبات النفطية على إيران ستكلفها نحو 350 مليار دولار سنويا على الأقل، رغم ما منحته إدارة الرئيس الأميركي ترامب من استثناءات لمدة 180 يوما لثمانية دول من أكبر مشتري النفط الإيراني، مما يسمح لتلك الدول بمواصلة شراء النفط الإيراني، ولكن بأسعار مخفضة ولزمن مؤقت حتى تتمكن من الاستغناء عن النفط الإيراني دون أن تتضرر أو يسبب ذلك ارتفاعا بأسعار النفط عالميا.

ومقارنة بما وصلت إليه صادرات النفط الإيراني بعد إعلان العقوبات على طهران، مع ما وصلت إليه في شهر أبريل الماضي، يتضح تأثير العقوبات الكبير على إيران، والتي أدت بالفعل إلى خفض الصادرات النفطية الإيرانية إلى نحو 50%، فخلال مراقبة نسبة الصادرات النفطية الإيرانية على مدى أشهر العام الجاري 2018، وصلت صادرات إيران النفطية في شهر أبريل 2018 إلى ذروتها بأعلى مستوى حيث بلغت 2,83 مليون برميل في اليوم، وبدأ تراجع الصادرات في الشهر التالي “مايو” حيث بلغت 2,73 مليون برميل، وذلك بعد انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق النووي الإيراني والإعلان عن العقوبات التي سيتم إقرارها.

وفي شهر يوليو توقفت كوريا الجنوبية عن استيراد النفط الإيراني وهبطت نسبة الصادرات إلى 2,39 ، وفي شهر سبتمبر وحتى نوفمبر أصبحت الناقلات الإيرانية تعتمد “التخفي” وتوقف عمل أجهزة الإرسال والاستقبال فيها لتجنب أنظمة التتبع وإخفاء وجهة النفط الإيراني، ونزلت الصادرات إلى 1,72. ثم إلى 1,50 مليون برميل يوميا في شهر نوفمبر الجاري، وتؤكد التقارير أن الصادرات النفطية الإيرانية ستبقى في حالة نزول مستمر، وستصل إلى أقل من مليون برميل يوميا قبل نهاية العام الجاري، وستنجح الولايات المتحدة في تصفير صادرات النفط الإيرانية خلال النصف الأول من العام القادم.

إن خسارة الاقتصاد الإيراني نحو 25 مليار دولار سنويا يعني تضرر الكثير من القطاعات الاقتصادية والتنموية، وتعطل المزيد من المصانع والمنشآت الصناعية، والأهم أنه سيحد من أموال الحرس الثوري التي تستخدم لدعم الجماعات الإرهابية والمخططات التوسعية في المنطقة، وفي حال استمرت العقوبات لأكثر من ثلاثة أعوام، فإن إيران ستعاني عجزا ماليا كبيرا، وستكون عاجزة عن حتى توفير الرواتب الشهرية لموظفي الحكومة، ولا سيما إذا ما أصر الحرس الثوري على هدر الأموال في مشاريعه الإقليمية، ولن يكون للشعوب الإيرانية المقدرة على التعايش مع الأوضاع السيئة، ولن يكون أمامها سوى الانتفاضة بوجه النظام وإنهاء سيطرة الحرس الثوري على كافة الشؤون قبل أن تغرق سفينة البلاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

13 نوفمبر 2018