لا تزال ردود الأفعال التي فجرتها تصريحات وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حول تفشي عمليات “غسل الأموال” في البلاد مستمرة، وقد أحدثت انقساما آخر يضاف إلى قائمة الانقسامات والخلافات التي تعصف بإيران وبدأت تتصاعد مع تصاعد حدة الأزمات والمشاكل السياسية والاقتصادية في الداخل وتشديد العقوبات من الخارج، ومن طبيعة ردود أفعال المتشددين على تصريحات ظريف وأهدافها السياسية يتبين حجم الانقاسامات الداخلية التي لا تزال نتائجها غامضة في ظل غياب قرارات المرشد الحاسمة، والذي بدأ يتملص من تحمل نتائج سياسات البلاد بالابتعاد عن فصل النزاعات وتجنب إصدار القرارات الحاسمة لحل الخلافات، لأسباب عديدة أهمها التخوف من تمرد أحد الأطراف على المرشد، وأيضا عدم القدرة على اتخاذ القرار لأنها أصبحت جميعا لا تخدم منصب المرشد الإيراني، ونتائجها في غير مصلحة إيران بشكل عام.

هذا الضعف الذي أصاب منصب المرشد يتضح من خلال ما وصلت إليه الخلافات والانقسامات حول تصريحات ظريف، فقد طالب رئيس تحرير صحيفة “جوان” التابعة للحرس الثوري “عبد الله غانجي” باستجواب الرئيس الإيراني حسن روحاني في المحكمة، بدلا من وزير الخارجية محمد جواد ظريف، وكتب غانجي تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” قال فيها: يجب استجواب روحاني في المحكمة بدلا من ظريف، وذكر أن روحاني حاول إزالة خطأ ظريف، لكنه وقع في فجوة، واتهم غانجي روحاني بأنه صرح بأن هناك قطاعات حكومية تعمل في تهريب المخدرات، متسائلا: ما هي المنظمات المتورطة؟ ينبغي تحديدها بالكامل، كما ينبغي استجواب روحاني في المحكمة بدلا من ظريف.

وأعلن النائب البرلماني حسين علي حاجي دليغاني عن تقديم عدد من النواب مشروع لاستجواب وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف إلى الهيئة الرئاسية للبرلمان، وكشف ديلغاني أن مشروع استجواب ظريف يتضمن طلب إعلان أسماء المتورطين في عمليات غسل الأموال أمام أعضاء مجلس الشورى، إلى ذلك، طالب الموقع الأصولي “مشرق”، وزير الخارجية الإيراني بالاستقالة بكرامة، وأشار الموقع إلى أنه لا أمل في تقدم الدبلوماسية مع الغرب، خصوصا مع وجود شخص مثل ظريف، وأن الجهاز الدبلوماسي بحاجة إلى دماء جديدة، وأشار إلى الفشل الذي مني به ظريف في دبلوماسيته وخاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي مع الغرب.

في المقابل، أشار نائبان في البرلمان الإيراني إلى أن استجواب وزير الخارجية محمد جواد ظريف على خلفية تصريحاته بتفشي عمليات غسل الأموال في البلاد ليس في مصلحة الدولة، فيما قال أحدهم أن ظريف لم يكذب، بل يجب دعمه، وقال رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بالبرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه إن طلب الاستجواب حق للنائب، لكنه عن نفسه يعارض الاستجواب، وأضاف أن تصريحات ظريف حول غسل الأموال لم تكن موثقة، ولا ينبغي أن نمنح معارضي الجمهورية الإيرانية ذريعة، لكن الظروف ليست ملائمة لاستجواب ظريف.

ويشعل أيضا مشروع قانون انضمام إيران لاتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب (CFT) خلافا آخر يتسع يوما بعد يوم في الداخل الإيراني، حيث أحدث هذا الخلاف تبادل التهم بين المسؤولين في الحكومة والنظام الإيراني، كشفت حجم الفساد المتفشي وفضحت الكثير من المسؤولين، فالتيار الإصلاحي وحكومة روحاني يرون أنه لا بد من الانضمام إلى هذه المعاهدة كي تفتح الأبواب أمام إيران لعلاقات خارجية أفضل وتسهل عمليات التبادل التجاري والمالي بين إيران ودول العالم، وتساعد قليلا على كسر العزلة والتخفيف من ضربات العقوبات الموجعة، أي أن الانضمام إلى هذه المعاهدة أمر ضروري للغاية، بينما يرفض المتشددون ذلك ويرون أن الانضمام إلى هذه المعاهدة سيتيح الفرص للدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة لأجل اختراق إيران، وتقييد ومراقبة أنشطتها المالية، وكذلك تقويض قدرتها على تمويل أذرعها الخارجية، ما جعل الطرفان المتنازعان يتراشقون التهم ويكشفون عددا من الحقائق أثبتت تورط مؤسسة الحرس الثوري وشخصيات كثيرة ونافذة في الحكومة والنظام بقضايا فساد كبيرة.

خلاف آخر أوجده قانون منع توظيف المتقاعدين، الذي أثار ردود أفعال بعضها مؤيد له والبعض الآخر معارض له، وعلى ما يبدو أن النظرة الإيرانية قد انقسمت تجاه هذا القانون إلى قسمين، وفقا لإيجابيات وسلبيات إقرار هذا القانون، فإيجابيا يمكن توظيف الشباب العاطل عن العمل وتمكين خريجي الجامعات الذين هم دون عمل، وسلبيا فإن إقرار هذا القانون يشير إلى عواقب هذا الإجراء المتعجل، لأن هؤلاء لا يمكنهم إدارة شؤون البلاد لافتقادهم الخبرات المهنية التي لم يتعلموها في المدارس والجامعات بصورة تطبيقية، ويرى البعض أن قانون منع توظيف المتقاعدين يعتبر أحد الاجراءات المتعجلة التي اتخذها البرلمان الإيراني (مجلس الشورى) دون الرجوع للخبراء ودراسة عواقب هذا القرار.

ما سبق يخلص إلى نتيجة مفادها أن القرارات الإيرانية قد بدأت تسير في طريقين كلاها يقود إلى مزيد من الخلافات والانقسامات وإلحاق الضرر في البلاد، وهو يدل على حالة التخبط التي تسيطر على صانعي القرار في إيران، ويكشف أن بيت المرشد يفقد القدرة على اتخاذ القرارات التي تتعلق بهذه الخلافات، حتى وصلت نيرانها في الوقت الحاضر إلى منصب مرشد السلطة الأعلى في البلاد، وقد تبين ذلك من خلال مطالبة مجمع الطلاب الساعين للعدالة في جامعة طهران في رسالة وجههوها إلى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي بحضوره إلى مقر الجامعة والإجابة عن أسئلة الطلاب حول أداء النظام طوال 40 عاما والمؤسسات الخاضعة لإدارته، ووفقا للتقارير وما نشر على وسائل التواصل الاجتماعي، فإن التنظيم الطلابي طلب من خامنئي توضيح أداء المؤسسات الخاضعة لتصرفه مثل الحرس الثوري والقوات المسلحة كافة والسلطة القضائية، والإذاعة والتليفزيون وهيئة المستضعفين وغيرها، وهي حادثة غير مسبوقة تشير إلى بداية تجرؤ و تمرد على منصب المرشد بعد فقدانه قاعدته الشعبية في الداخل وعزلته من قبل الخارج.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

27 نوفمبر 2018