تعيش إيران حاليا أصعب الظروف منذ عام 1979، وتقبع تحت وطأة أحلك الأزمات وأشد المشاكل التي تتفاقم بشكل ديناميكي خطير، تسعى السلطات إلى تغطيتها بغربال الوطنية والتعتيم عليها بتصريحات وخطابات شعبوية، أصبحت مكشوفة ومفضوحة تماما أمام الشعوب الإيرانية التي ترى بأم عينها الوقائع والحقائق بينما تسمع عكسها من أفواه المسؤولين، أي أن قدرة السلطات الإيرانية على الاستمرار في إنكار حقيقة الأوضاع والتعتيم على المشاكل والأزمات أصبحت ضعيفة للغاية، بعد أن بدأت شرارة تردي الأوضاع الداخلية تشعل نيران الغضب الشعبي من جهة، وتفجر الخلافات والانقسامات بين المسؤولين والتيارات السياسية من جهة أخرى، ليتحول الداخل الإيراني إلى ساحة ساخنة تجمع الصراع بين الشعوب الإيرانية والنظام من طرف، وبين والتيارات السياسية من طرف آخر.

وبحسب اعترافات المسؤولين الإيرانيين فإن كافة مشاكل وأزمات البلاد تعود بشكل رئيسي إلى سوء إدارة البلاد داخليا وخارجيا، فعلى الصعيد الخارجي، أدت سياسات النظام التدخلية في المنطقة وسعيه إلى تصدير الثورة إلى دول الجوار ودعم الإرهاب والجماعات المتطرفة، ومحاولة الوصول إلى سلاح نووي، إلى فرض عقوبات دولية وأخرى أميركية صارمة على البلاد، قادت إلى عزل إيران وتكبيدها خسائر سياسية واقتصادية فادحة، وداخليا، أوكلت مهام إدارة شؤون البلاد الاقتصادية والمالية إلى مؤسسة عسكرية – وهي الحرس الثوري – تفتقد للكفاءات الإدارية وتعتمد في تنصيب المسؤولين على معيار واحد وهو مدى ولائه للمرشد الأعلى وقيادات الحرس الثوري، فاندلعت الخلافات والانقسامات الداخلية بسبب سياسة التهميش التي اتبعها النظام والحرس الثوري تجاه الحكومة الإيرانية والتيارين الإصلاحي والمعتدل، وانتشر الفساد وغسل الأموال والتهريب والتهرب الضريبي وإنفاق الأموال وهدرها في غير مسار تنمية وتطوير البلاد، وانعدم العدل في توزيع ثروات البلاد … الخ.

كان لفشل إدارة البلاد داخليا ما نسبته 60% من مشاكل البلاد، و40% تسببت بها أخطاء السياسة الخارجية الإيرانية، وأكثر العوامل تسببا للأزمات بشكل منفرد هي التدخلات الإيرانية في المنطقة، ودعم الحرس الثوري للجماعات الإرهابية، وهو في نفس الوقت أهم مسببات المظاهرات والاحتجاجات الإيرانية خلال الأشهر الماضية، وأحد عوامل الانقسامات الداخلية، غير أن العامل الرئسي للانقسامات والخلافات الداخلية يعود إلى الصراع على النفوذ والوصول إلى منصب المرشد، ومساعي بيت خامنئي والحرس الثوري لتهميش الحكومة والشخصيات السياسية، واتباع نهج الخلاص من أي شخصية أو حزب يسعى إلى التفكير للوصول إلى منصب المرشد أو تقليص صلاحياته وصلاحيات الحرس الثوري أو الخروج من عباءة الولي الفقيه التي يضمن خلالها المرشد والحرس الثوري السيطرة الكاملة على شؤون البلاد في كافة النواحي والقطاعات.

لكن الأمر بدأ يقلق بيت المرشد بعد اتساع رقعة الخلافات والانقسامات التي شقت طريقها حاليا إلى العديد من المؤسسات والشخصيات المؤثرة، لدرجة تجاوزت معها الخطوط الحمراء وكسرت المحرمات، فتصريحات ظريف التي اعترف بها بوجود عمليات غسيل أموال واسعة في إيران وضعت عددا كبيرا من مسؤولي الحكومة والنظام في مأزق كبير، ما تسبب في اندلاع موجة من الانقسامات الجديدة وصلت إلى حد التهديد والمطالبة بعزل ظريف بعد استجوابه من قبل مجلس الشورى الذي شهد هو أيضا انقاساما كبيرا بين نوابه بسبب تصريحات ظريف، لا سيما أن الأوضاع بشكل عام مثيرة للقلق بسبب تصاعد حدة الانقسامات الداخلية في عدة نقاط وموضوعات، أهمها الشخصية التي ستخلف منصب المرشد بعد رحيل خامنئي، ومنها الخلاف الدائر حول انضمام إيراني إلى مجموعة العمل المالي (Financial Action Task Force)، كذلك الصراع الدائر حول بقاء إيران في الاتفاق النووي أو الانسحاب منه، والعديد من القضايا الأخرى.

غير أن ما هو مهم هو التعدي على المرشد الأعلى نفسه، من قبل شريحة واسعة من طلاب جامعة طهران، حين بعث مجمع الطلاب الساعين للعدالة في جامعة طهران، رسالة إلى المرشد علي خامنئي يطالبونه بالحضور إلى الجامعة والإجابة عن أسئلة الطلاب حول أداء النظام طوال 40 عاما والمؤسسات الخاضعة لإدارته، وهو ما أوجد انقسامات جديدة وجهت على أثرها اتهامات خطيرة، حيث اتهم رضا هادي زاده، المسؤول السابق في مجمع المهندسين الإسلامي، أحد أتباع الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، بالوقوف وراء هذه الرسالة، يأتي ذلك في حين يسعى نواب الكتلة السنية في البرلمان الإيراني لإعداد مشروع لاستجواب وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي بسبب عدم اتخاذ وزارته إجراءات لإشراك السنيين في القطاعات السياسية والإدارية في الدولة.

ووفقا للمتابعة الدقيقة لآخر التطورات على المشهد الإيراني، فإنه من المؤكد أن تتزايد الانقسامات والصراعات الداخلية بسبب تفاقم مسبباتها، وكثرة الحديث عن قرب رحيل المرشد الحالي علي خامنئي، في وقت تشدد فيه الولايات المتحدة من عقوباتها على إيران، واستجابة الكثير من الدول لهذه العقوبات سواء بإرادتها أو رغما عنها، ما يعني أن الأزمات والمشاكل سوف تتفاقم بشكل أكبر في المرحلة القادمة، وتسبب المزيد من الاحتجاجات والمظاهرات التي قد تتحول في أي وقت إلى ثورة عارمة تطيح بالنظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

29 نوفمبر 2018