الحديث عن بيع القضية والمتاجرة بها ينبغي أن يطول من فشلوا في تحقيق توافق فلسطيني داخلي لإنهاء الانقسام، وضرورة إلغاء حالة الثنائية التي أصبحت وسيلة لدى أحد الأطراف لاجتذاب الدعم المالي المسيس.

لا يملك المتابع للأبواق المستفزة المحسوبة على الفلسطينيين التي تهاجم دول الخليج دون أي مبرر إلا الاستغراب والتعجب، لأن الاستفزاز والتعبيرات العدائية المجانية يتكرران ويدفعان المرء إلى وضع علامات تعجب كبيرة، وخاصة أن هناك من يعمل في الخفاء على تحريض مأجورين ودفعهم إلى التطاول على دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، بالرغم من التزام السعودية والإمارات على مدى العقود الماضية عبر القنوات الرسمية والشعبية بالوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني ودعمه سياسيا وماليا، وبانفتاح يجعل من الدعم الخليجي مرتفعا وغير محدود بسقف أو إطار. بدليل أن الإحصاءات الرسمية للأمم المتحدة تشير إلى حجم الدعم الخليجي السخي للاجئين الفلسطينيين باعتباره مرتفعاً ومهما للغاية، سواء قبل أو بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من تقديم حصتها لدعم وكالة الأونروا.

لا نريد تذكير الأشقاء الفلسطينيين بما قدمته ولا تزال تقدمه السعودية والإمارات لفلسطين عبر أشهر المنظمات الدولية الأكثر حيوية وأهمية بالنسبة للاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، والتذكير هنا فقط لأولئك الذين يتشدقون بألفاظ ضد الخليج العربي وهم يتجاهلون حجم الدعم الخليجي الذي لولاه لتوقفت “الأونروا” عن أداء مهامها الإغاثية بشكل كامل داخل المخيمات الفلسطينية.

ولمن لا يعلم أو لا يريد أن يعلم الآخرون بهذه الحقيقة، نعيد التذكير بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوقفت بشكل كامل التمويل المخصص لوكالة “الأونروا” وذلك بعد مرور أشهر على خفض الدعم المالي الذي كانت تقدمه الولايات المتحدة للوكالة. وكانت أميركا تتقدم على جميع الدول الداعمة للأونروا بتقديمها حوالي 350 مليون دولار سنويا، ما يعني أن الدعم الأميركي كان يمثل ربع الميزانية السنوية للمنظمة، وبعد تجميد واشنطن لمساهمتها المالية هبّت الإمارات والسعودية لرفع مساهماتهما لتغطية النقص المالي الحاد في ميزانية الأونروا. في هذا الإطار أشادت وكالة الأونروا نهاية شهر أغسطس الماضي بإعلان دولة الإمارات العربية المتحدة عن تبرعها بمبلغ (إضافي) قدره 50 مليون دولار للوكالة، وأقرت في بيانها أن هذا الدعم الكبير من دولة الإمارات يأتي في وقت تواجه الأونروا فيه أخطر أزمة مالية طوال تاريخها. وجاء التبرع السخي لدولة الإمارات بمثابة خطوة مهمة من شأنها المحافظة على الخدمات الحيوية التي توفرها الأونروا لـ5.4 مليون لاجئ من فلسطين في الشرق الأوسط. وطبقا لإحصائية نشرت أيضا في يونيو 2018 بلغت المساعدات المقدمة من دولة الإمارات لفلسطين خلال عامي 2017 و2018 ما يزيد عن 130 مليون دولار.

عمليا تصدرت دولة الإمارات قائمة الدول الأكثر دعما للاجئين الفلسطينيين منذ توقف الدعم الأميركي. وتأكيدا لهذه الحقيقة صرح مدير عمليات الأونروا ماتياس شمالي في 12 أغسطس من العام الماضي قائلا “هناك دول عربية ساعدت كثيرا هذا العام من إجمالي مبلغ 230 مليون دولار بعد الخصم الأميركي على المساعدات، وعلى رأسها الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية”. ويبقى السؤال: لماذا يصوبون سهام الحقد ضد من يقف إلى جانبهم؟

لقد تجاهلنا في منطقة الخليج لوقت طويل الأصوات الناعقة من بين الصفوف المحسوبة على الفلسطينيين، رغم مبالغتها في استحضار مفردات عدوانية تجاه الخليج، ورغم نكران الجميل الذي يظهر في الاستفزاز والتهجم على منطقة الخليج التي كانت ولا تزال حاضنة وفية للقضية الفلسطينية، سواء عبر استيعاب الفلسطينيين الذين شاركونا مقاعد الفصول الدراسية منذ الطفولة، كما تزاملنا معهم في الأعمال والوظائف الحكومية والخاصة، ناهيك عن الدعم المالي المشهود الذي لم ينقطع لتمويل الوكالات الدولية المعنية برعاية شؤون الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني وخارج فلسطين. لكن بين فترة وأخرى تظهر مؤشرات التنمر والحقد والتهجم اللفظي الذي يتصف بالانفعال وتعمد تصدير الكراهية ضد الخليج من قبل أفراد يحسبون على الفلسطينيين ويستخدمون وسائط الميديا الحديثة والبرامج التلفزيونية الحوارية لبث كراهيتهم وعدوانيتهم المستهجنة ضد الخليج، وتحديدا ضد السعودية ودولة الإمارات، رغم أن الدولتين في طليعة من يدعم الفلسطينيين بانتظام ودون انقطاع أو تردد.

هناك من بين الفلسطينيين من اعتادوا ترديد أسطوانات مشروخة ومخادعة، تستهدف تشويه صورة الخليج في وعي الفلسطينيين، عبر أدوات إعلامية متاحة لكل من هب ودب. تمنحهم سهولة ومجانية تلك الأدوات الإعلامية المشاعة إمكانية تكرار المزاعم والأكاذيب وألفاظ السب والشتم. والغريب أنهم لا يتعرضون لأي نقد حتى من داخل النخبة الفلسطينية التي تعرف أن أولئك الحاقدين يرتكبون حماقات ويتلفظون بكلمات عدائية لا ينبغي أن يتم توجيهها ضد حكومات وشعوب منطقة الخليج العربي.

يروج أولئك الجهلة لأوهام تقول إن الخليج باع القضية الفلسطينية وتراجع عن دعمها، وما إلى ذلك من أكاذيب جعلت من القضية الفلسطينية في نظرهم أداة للابتزاز. كما يغالطون أنفسهم ويتجاهلون حقائق تاريخية عندما يقومون بتحميل الآخرين ذنب ضياع فلسطين. ويتناسون أن المنطقة العربية بأكملها تعرضت للاحتلال العثماني، ثم جاء الاستعمار الغربي بعد انهيار الدولة العثمانية، وكل دولنا ومجتمعاتنا كانت واقعة تحت كارثة الاستعمار. وبالتالي لم يكن لأي طرف عربي أي دور في ضياع فلسطين. وإن كان لا بد من إلقاء لوم أو تحميل مسؤولية لطرف ما، فإن الطرف الفلسطيني صاحب القضية الأول يبقى في المقدمة من حيث المسؤولية التاريخية. أما الحديث عن بيع القضية والمتاجرة بها فينبغي أن يطول في وقتنا الحاضر من فشلوا في تحقيق توافق فلسطيني داخلي لإنهاء الانقسام أولا، وضرورة إلغاء حالة الثنائية التي أصبحت وسيلة لدى أحد الأطراف لاجتذاب الدعم المالي المسيس، ونعني به الدعم القطري الذي ينفخ الروح في جسد الانقسام ويمنح سلطة حماس الإخوانية في غزة المزيد من الوقت للهيمنة والتمكين على حساب وحدة الصف الفلسطيني.

من هذه الزاوية يمكن الرد على الذين لديهم هوس مهاجمة الإمارات والسعودية باستغلال الموضوع الفلسطيني، إذ أن عليهم قبل أن يتطاولوا على من يدعم الفلسطينيين بسخاء منذ عقود أن يوجهوا أنظارهم صوب الإشكاليات الفلسطينية الداخلية. أما الدور العربي وفي مقدمته الخليجي فإنه يقوم بواجبه الأخلاقي والإنساني تجاه قضية فلسطين بالشكل المتاح. ورغم كل ما تم تقديمه من دعم واحتضان للقضية الفلسطينية وللأشقاء الفلسطينيين، إلا أن لدينا في دول الخليج تحديدا شواهد ومواقف متكررة، تدل جميعها على أن نكران الجميل والغدر وعدم الاعتراف بجهود الآخرين أصبح نهجا مكرسا ومعمولا به لدى الكثير من الناعقين باسم القضية الفلسطينية!

وكما يقال لقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر، إلا أننا في الخليج لا يمكن أن ننسى موقف الفلسطينيين في الكويت أثناء الغزو العراقي واجتياح قوات صدام حسين للكويت. فما حدث حينها من قبل المقيمين الفلسطينيين كان صدمة كبيرة للكويت ودول الخليج بشكل عام. رغم ذلك تم تجاوز تلك الخيانة وأصبحت طي النسيان أو التجاهل. ونتذكرها هنا ليس من باب المحاسبة المتأخرة، وإنما نتذكر واقعة الغدر والتعاون مع القوات التي غزت الكويت، للتأكيد على أن النهج الفلسطيني لا يريد أن يتغير نحو الأفضل.

الأصوات الحاقدة التي تعمل بدأب شديد على زرع الكراهية وتشويه صورة شعوب وحكومات الخليج لدى الفلسطينيين لم تتوقف عن النعيق، ولا تزال تطل برؤوسها في قنوات ووسائل متعددة لكي توجه شتائم غير مبررة وتتلفظ بكلمات لا تفكر في عواقبها، وهي تصب في خانة الحقد والجهل والتعصب والكراهية ضد دول لم تتردد يوما في الوقوف إلى جانب حقوق الشعبي الفلسطيني ودعمه بلا حدود.

رابط المقال بجريدة العرب: دعم خليجي سخي لفلسطين يقابل بالنكران

بقلم: د.سالم حميد

3 ديسمبر 2018