تثير قضية أزمة ارتفاع الأسعار والفقر والتضخم التي تعاني منها البلاد في الوقت الحالي بشكل غير مسبوق، اهتمامات الشارع الإيراني أكثر من أي وقت مضى، لا سيما أن النظرة الشعبية العامة تدرك وجود تخاذل كبير من قبل الحكومة ومجموعة الجهات التنفيذية والتشريعية في التعامل معها، إضافة إلى النظرة السائدة من وقت بعيد بأن سياسات النظام الإيراني تسببت في غالبية الأزمات والمشاكل المعيشية للمواطن الإيراني، وأنه سيأتي يوما تنفجر الأوضاع الداخلية بسبب تراكم هذه الأزمات والمعضلات.

وقد أدى ارتفاع أسعار السلع والخدمات واتساع دائرة الفقر والبطالة في الداخل الإيراني إلى سقوط الشريحة المتوسطة من كل طبقة إلى الشريحة السفلى منها، أي أن الفقر والفقر المطلق بدأ يفتح أبوابه لملايين الإيرانيين، وهو ما يصنفه الخبراء بدول المجتمعات الإيرانية في مرحلة الخطر التي ستؤدي إلى كوارث داخلية على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني.

وتشير التقارير إلى أن الحكومة الإيرانية تعمدت عدم الإعلان عن خط الفقر منذ فترة، ما تسبب  أيضا في مزيد من الغموض بخصوص الطبقات الاجتماعية في إيران، وكان مركز إحصاء البرلمان قد أصدر مؤخرا إحصائية أعلن فيها أن خط الفقر في إيران في صيف هذا العام بلغ مليونين و728 ألف تومان (650 دولارا حسب سعر الصرف الرسمي) وذلك للأسرة المكونة من أربعة أفراد، وكان يبلغ مليونين و850 ألف تومان (678 دولار) في سبتمبر العام الماضي، وأكدت هذه الإحصائية أن التحذيرات التي أُطلقت في السابق بخصوص خط الفقر كانت في محلها بالفعل، وتعكف حاليا السلطات الأمنية إلى إدارة هذه الأزمة بعد صدور الكثير من التقارير التي أكدت قرب وقوع انفجار شعبي كبير قد يؤدي إلى مظاهرات واحتجاجات واسعة يشترك فيها ملايين الفقراء ومن هم مهددون بالفقر أيضا.

وفي الحقيقة، فإن ما  نشره مركز إحصاء البرلمان حول خط الفقر، هو بمثابة تحذير جاد بخصوص الوضع المعيشي وحياة جزء كبير من الطبقة المتوسطة وجميع الطبقات الدنيا في إيران، وعلى نطاق أوسع يمكن الإشارة إلى تراجع القدرة الشرائية لشريحة من يتقاضون الرواتب، سواء من موظفي الحكومة أو عمال وموظفي القطاع الخاص، مما تسبب في إلحاق الضرر بمعيشة وثقافة وحياة الأسر الاجتماعية، كما أن تراجع الطلب على شراء كثير من السلع مثال صادق على أن القدرة الشرائية لفئات كبيرة من المجتمع قد تراجعت كثيرا في الآونة الأخيرة، أنها ستستمر طوال الفترة القادمة، وهو مؤشر واضح على أن معدلات الفقر والبطالة والتضخم المرتفعة أصلا في الوقت الحالي سوف تتفاقم بشكل أكبر في المرحلة المقبلة.

وهناك امتعاض شديد في الداخل الإيراني نتيجة عدم رقابة الحكومة على ارتفاع الأسعار، فالمواطن الإيراني يرى أنه عندما يرتفع سعر الدولار ترتفع أسعار السلع مرات مضاعفة، ولكن عندما ينخفض سعر العملة الصعبة، يرفض التجار خفض أسعارهم تناسبا مع سياسة تعويم الأسعار، والسبب هو انعدام الرقابة على هذا القطاع، فالحكومة لا تمتلك أي برنامج للسيطرة على غلاء السلع  في إيران، وعلى الرغم من انخفاض سعر الدولار بنسبة 70% إلا أن السلع الأساسية لم تنخفض ولو بنسبة 5%، بل ارتفعت في كثير من الحالات، ومن جهة أخرى لا تبذل مؤسسة “حماية المستهلك” أي جهد لحماية المستهلك والسيطرة على الأسعار.

وتعقيبا لمؤشر التضخم في إيران، فإن هذا المؤشر قد اتخذ منذ شهر مايو الماضي اتجاها تصاعديا بشكل مستمر، وأحيانا كانت له قفزات كبيرة وغير مسبوقة، ومع ذلك يبدو أن الحكومة ومجموعة الجهات التنفيذية والتشريعية في إيران تتعامل مع هذه القضية بعجز تام واحباط ويأس، وهو ما أنتج في المقابل حالة من اليأس والاحباط لدى الشعوب الإيرانية، التي تعيش فقط واقع تفاقم الأزمات، ولا ترى أي علاج أو أمل في الحد منها.

وبعد الاطلاع على تقارير المختصين في الداخل الإيراني حول الفقر ونطاقه، فمن المتوقع أن تنمو شريحة من هم تحت خط الفقر حتى نهاية العام الإيراني الحالي (ينتهي في 20 مارس القادم) إلى ضعف المعلن عنه في الوقت الحالي، وذلك نظرا إلى استمرار النمو الملحوظ في مؤشرات أسعار الكثير من السلع الإيرانية، والحديث عن أن بعض هذه السلع بدأت تنقص بشكل ملحوظ في الأسواق الإيرانية وحتى أن بعضها على وشك النضوب، وهو ما ينفي ادعاءات الحكومة الإيرانية بأن كافة السلع الأساسية متوفرة في الأسواق الإيرانية وهي في متناول الجميع.

وفي الظروف العادية، كانت الحكومة الإيرانية تحدد في كل عام زيادة على رواتب الموظفين والعمال تتناسب مع معدلات التضخم وارتفاع الأسعار، لكن انخفاض قيمة العملة الوطنية وأوضاع القدرة الشرائية المتردية لجزء كبير من الناس خلال العام الحالي، لم يكن أمرا طبيعيا أو معتادا، وهو ما وضع الحكومة الإيرانية في مأزق جديد، وهو ضرورة رفع الرواتب بما يتناسب مع ارتفاع معدلات التضخم وغلاء الأسعار، وهو ما لن يكون في ظل معاناة الميزانية وضعف موارد البلاد المالية نتيجة العقوبات الأميريكة على طهران والتي سببت في سقوط إيران في مستنقع الحظر والعزلة الدولية.

وترتكز حاليا اهتمامات الشارع ووسائل الإعلام الإيرانية على معاناة المجتمع الإيراني الناجمة من سياسات النظام الخاطئة وفشل الحكومة في إدارة شؤون البلاد، والجديد الأخطر هنا، هو انتشار معتقد عام يتسع يوما بعد يوم ويشير إلى أن هذه الأزمات ستؤدي إلى اضطرابات سياسية واسعة في البلاد، ولا سيما بعد صدور تقارير وبروز مؤشرات تؤكد أن الأوضاع الداخلية في إيران تتجه نحو الأسوأ بكل تأكيد، ومنها ما أشار إليه رئيس لجنة الخميني للإغاثة، والذي كشف أن الاضطرابات الاقتصادية الأخيرة وتحديات العملة الصعبة تسببت في زيادة أعداد اللاجئين والمحتاجين لهذه اللجنة بنسبة 50%، كذلك ارتفاع نسبة الجرائم بشكل عام أيضا، حيث تؤكد التقارير أن هناك زيادة في حالات السرقات البسيطة، مثل سرقة بطارية أو مسجل السيارات، وقد ارتفعت أعداد لصوص الهواتف الخلوية بشكل جنوني تزامنا مع ارتفاع سعر هذه السلعة بشكل كبير.

وما زاد المواطن الإيراني في الوقت الحالي غضبا من الحكومة والنظام، وتضمرا من الأوضاع السيئة والمتأزمة، هو ما يراه بأم عينه حول الفرق والمفارقة ما بين دولة غنية بالموارد الطبيعية والنفطية والغازية، ومصدرة لدول العالم، وبين شعب فقير يعيش تحت وطأة الأزمات الاقتصادية ويلجأ للهيئات الإغاثية نتيجة الفقر والعوز الناجم عن فساد اقتصادي متورط به كبار قادة النظام الإيراني وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي ونجليه وقادة الحرس الثوري وكبار رجال الدين ورجالات الدولة، وفشل حكومي تداولة كافة الأحزاب والتيارات السياسية، وتدخلات النظام في شؤون دول المنطقة وإصراره على امتلاك سلاح نووي ودعم الجماعات الإرهابية بأموال الشعوب الإيرانية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

18 ديسمبر 2018