إن ما يميز التحركات الاحتجاجية الشعبية في إيران، والتي لا تزال مستمرة، هو إصرار مكوناتها المجتمعية عليها بأي ثمن، واتساع نطاقها الجغرافي تدريجيا، ومخزونها النخبوي، وشمولها العرقي والفئوي، والأهم من ذلك كله أنها أصبحت الطريق الوحيد أمام خروج الشعوب الإيرانية من أزماتها ومشاكلها المتفاقمة، والمنفذ الوحيد أيضا لانقاذ البلاد من الغرق في مستنقعات الهلاك والفوضى وعدم الاستقرار، وتلك الطريق وهذا المنفذ هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى التقاء أهداف المواطن الإيراني مع طموحات عدد لا بأس به من الشخصيات السياسية والعسركية والأمنية النافذة في البلاد، والتي أصبحت ترى ضرورة التخلص من حكم ونظام الولي الفقيه قبل فوات الأوان وضياع البلاد.

لقد تفاجأ قادة النظام الإيراني بالتحركات والاحتجاجات الشعبية الأخيرة التي هتفت ضد أعلى سلطة في الدولة، وهي المرشد علي خامنئي ومن بعده الرئيس حسن روحاني وكافة قيادات النظام والحرس الثوري، والسبب هو إخفاق يقينهم بأن قبضة الأجهزة الأمنية قادرة على تكميم الأفواه وقمع أي احتجاجات واجتثاث أي ثورة أو انتفاضة، ليتبين أن الحرس الثوري وأجهزته كافة قد فشلت بالفعل في تطويق المظاهرات ومنع التمرد على منصب وشخصية المرشد، وهو ما أثار قلق النظام الإيراني بشدة، لأن كسر حواجز الخوف في إيران، يعني سقوط النظام.

بعض المسؤولين في إيران، حاولو الترويج إلى أن هذه التحركات ما هي سوى موجة عابرة ذات أهداف سياسية انتخابية أفتعلها تيار محمود أحمدي نجاد للنيل من كبش الفداء القادم حسن روحاني، وسارع الحرس الثوري الإيراني إلى الترويج أنها تجمعات تطالب حكومة روحاني بتحسين الأوضاع المعيشية، حاولت بعض الجهات الأجنبية استغلالها لضرب أمن واستقرار البلاد، وعكفت الغرف الأمنية والفكرية التابعة لأجهزة النظام بالعمل على قمع هذه الاحتجاجات وإطفاء لهيبها بكل الوسائل والطرق، لكنها فشلت فشلا ذريعا، ولا تزال هذه الاحتجاجات تتسع وتتزايد وتتحول إلى قنبلة موقوتة.

وعلى عكس ما تروج له السلطات الإيرانية، فإن هذه الاحتجاجات أعمق بكثير مما يبدو على السطح، خاصة أنها تشكلت مع نهاية العام الماضي بصورة عفوية مفاجئة دون أن ترتبط بأي حدث سياسي بعينه، وهو ما يفند الرواية التي تقول أن تيار أحمدي نجاد هو ما افتعل هذه المظاهرات، كما أن الدعوة للمشاركة في هذه المظاهرات لم تتم من قبل أي حزب أو تيار محدد، رغم أنها مدعومة من العديد من الشخصيات السياسية والعسركية التي تعمل بخفاء للخلاص من نظام الولي الفقيه، بل أن القائم على هذه المظاهرات هو الشعب، ولذلك نرى أن هذه الاحتجاجات قد شارك فيها مختلف الاتجاهات والانتماءات السياسية والفكرية، من اليسار واليمين والوسط وغير المنتمين، وهو ما يثبت أنها انطلقت بشكل عفوي للتعبير عن غضبهم ورفضهم لسياسات النظام، وهو ما دلت عليه أيضا شعاراتهم وهتافتهم التي أطلقوها ضد المرشد والنظام والحرس الثوري والتدخلات في سوريا ولبنان واليمن وغيرها، إضافة إلى ذلك، فإن القضية المركزية التي جمعت المتظاهرين الإيرانيين هي التعبير عن الغضب الشديد ضد التدهور المعيشي بمختلف أشكاله، في حين أن النظام ينفق المليارات على تدخلاته ومشاريعه في دول المنطقة ودون أي جدوى، كل ذلك يعني أن هذه الموجة الشعبية الغاضبة ليست تعبيرا عن سياسة معينة لأي تيار أو حزب محدد، أو عن أزمة سياسية آنية أو طارئة، بل هي تعبير عن أزمة بين الشعب والنظام السياسي والاقتصادي القائم، وهي ليست أزمة جزئية ستعبر كأسلافها، بل هي أزمة شاملة تتفاقم ويتفاقم معها الغضب الشعبي.

وحاليا هناك الكثير من الدلائل والوقائع التي تشير إلى استمرارية هذه الحركة الاحتجاجية في الداخل الإيراني خلال المرحلة المقبلة بكل تأكيد، مع ارتفاع وتيرتها لفترة من الزمن تتحول خلالها إلى ثورة عارمة تسقط النظام الإيراني، فالنظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي يعيش على شفير الهاوية، والأوضاع المعيشية للمواطن الإيراني تتزايد يوما بعد يوم، مع وجود يأس وإحباط عام من أي تحسن للظروف في ظل استمرار سياسيات النظام داخليا وخارجيا، وبفعل هذه السياسات الخاطئة، والتورط في التدخل في العديد من الدول الإقليمية، علاوة على الفساد المتفشي، وإعادة فرض العقوبات الأميركية وتشديدها على طهران، فإن الاقتصاد الإيراني العام بكافة قطاعاته، قد أصابه مرض الركود وأوشك على الإنهيار، ولم تعد تنفع معه جميع العلاجات المالية المؤقتة التي تستميت الحكومة في الترويج لها لمحاولة إطفاء الغضب الشعبي المشتعل منذ زمن.

والآن تعمل كافة قيادات التيارات السياسية الإيرانية التي تتبع جميعها المرشد الإيراني، لمعالجة الأزمة التي تطحن في البلاد ولكن دون جدوى، والسبب أن هذه التيارات السياسية، بمختلف اتجاهاتها الأصولية والمعتدلة والأصولية المعتدلة والإصلاحية، انما هي تمثل مباشرة أو غير مباشرة، الطبقة الاحتكارية للسلطة والنفوذ، ولهذا فإن الاجراءات الاصلاحية التي تقوم بها الشرائح السياسية الموجودة في الحكم، لمواجهة الازمة الاقتصادية، جميعها باءت وستبوء بالفشل.

ويوما بعد يوم، تتزايد مؤشرات اندلاع ثورة في إيران، والتي آخرها ما كشفت عنه صحيفة “مستقل” من أفول منزلة النخبة السياسية اجتماعيا، وهو مؤشر خطير على اتساع نطاق الفجوة التي أصبحت تفصل بين المواطن والمسؤول في الداخل الإيراني، حيث أن رجال السياسة ونخبة وقادة السلطات الإيرانية ورجال الدين وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية، قد فقدوا جميعهم مكانتهم ومنزلتهم الاجتماعية، وأصبحت الشعوب الإيرانية تنظر إليهم بكراهية شديدة، وتعتبرهم العدو الأكبر لإيران، والسبب في ذلك هو تردي الأوضاع الداخلية وعدم الاهتمام بكرامة وحياة المواطن الإيراني، في وقت يهدر فيه المليارات على مخططات وتآمرات وتدخلات ودعم للإرهاب والجماعات الإرهابية والمتطرفة، والداخل الإيراني ينزف دما من سوء الأوضاع.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

23 ديسمبر 2018