لا يمكن تجاهل وإنكار التحول البنيوي الاجتماعي والثقافي الحاصل في السعودية. وهو تحول أو تغيير يصيب المحافظين والغلاة داخل السعودية وخارجها بالكثير من التوتر. قطر على سبيل المثال، كانت ولا تزال بيئة منغلقة تعمل على استثمار أموالها لإزعاج الآخرين فقط، بينما لا تريد أن تسمح لرياح التغيير والانفتاح أن تعبرها أو أن تحدث تغييرا جوهريا لدى جيرانها.

البيئة المحافظة تخشى من أن تحدث تطورات معاكسة في المناطق المجاورة لها خشية من انتقال عدوى التطور والانفتاح. لذلك سلطت قطر مجموعات من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف تحويل هذه الوسائل الحديثة إلى منابر للدفاع الشرس عن كل ما يتصل بالتطرف والتخلف والانغلاق.

لم يستسغ الغلاة مظاهر التحولات الاجتماعية وأشكال الترفيه التي وجدت لها جمهورا واسعا في السعودية يعبّر عن حالاته الإنسانية وعن تعاطيه للفنون والموسيقى بأريحية وبتجاوب من خلال التعبيرات الجسدية الحرة والرقص، وكذلك الانتشاء بهبوب رياح التغيير، التي ظلت لزمن محصورة على الوجهات السياحية التي يذهب إليها الخليجيون خارج ديارهم بينما لا يجدونها في أوطانهم، باستثناء الإمارات التي عرفت مختلف أنواع الأنشطة الفنية والثقافية والسينمائية والموسيقية والمسرحية من دون تحفظات أو أي نوع من الاستغراب.

الانفتاح صداع للمتطرفين

الإمارات تعتبر واحة العولمة والتلاقح الحضاري والمشتركات الثقافية الإنسانية على مستوى الشرق الأوسط والعالم، ولا يمكن أن يتحدث أحد في الإمارات عمّا يصفه المتزمتون في أماكن أخرى بالاختلاط، لأن الجمهور الذي يحضر فعالية من أي نوع يكون معنيا بالحصول على المتعة الجمالية وتذوق العروض المدهشة أكثر من أي شيء آخر، وكل ذلك يحدث بسلاسة وذوق رفيع يعطي الأولوية للجنس اللطيف، في ظل احترام متبادل لا يتجاهل مكانة المرأة وكيانها الذي يحظى بالاحترام والتقدير، ما يجعل من مهمة استهلاك الفنون وحضور الحفلات والعروض السينمائية أو المسرحية أو الموسيقية أمرا اعتياديا ومرغوبا فيه من قبل كل الفئات العمرية.

إن الكارثة الحقيقية في مجتمعاتنا ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين أن أنصار التطرف والغلو والاكتئاب باسم الدين جعلونا في مرحلة تبرير ودفاع عن أمور طبيعية واعتيادية. فالنفوس التي لا تتذوق الموسيقى والفن تكون مرشحة للانخراط مع جماعات القتل والتكفير والانتحار باسم الدين!

لقد كانت مظاهر الانفتاح التدريجي في المجتمع السعودي بمثابة صداع مؤلم في رؤوس المتطرفين. فجندت قطر ذبابها الإلكتروني لاصطياد مشاهد ومواقف عفوية تصور البعض من الشباب السعوديين وهم يرقصون ويتفاعلون مع الحفلات الموسيقية، وكأنهم يريدون من الجمهور أن يقف ليصغي إلى الموسيقى بصمت كالأصنام!

إنهم كالعادة يتصيدون ما يظنون أنه بإمكانهم توظيفه لإثارة المشاعر العدائية للبسطاء ضد مظاهر الفن والحفلات الجماهيرية. لكن الحق في الترفيه صار حقا أصيلا بعد أن استمتع الجمهور داخل بيئته بفنون كانت من قبل تندرج دون سبب وجيه ضمن خانة المحرمات.

إن سياحة المواطنين الخليجيين في البلدان الغربية أو غيرها من البلدان خارج المنطقة تكلف من الأموال ما يسهم في تنمية تلك الدول وازدهارها بينما يتم اقتطاع تلك الأرقام الكبيرة من الدخل السنوي للأفراد.

فلماذا لا يتم إنفاق تلك المبالغ الكبرى داخل منطقة الخليج من خلال جلب الفرق الفنية والموسيقية وترتيب وتنظيم إقامة الفعاليات الفنية والمهرجانات والمسابقات العالمية التي يحضرها الجمهور من كل مكان في العالم؟

التغيير الكبير الذي يحدث على مراحل في السعودية سوف ينعكس بشكل إيجابي على ثقافة ووعي الأجيال القادمة التي ستكبر وهي لا تعاني من الحواجز التقليدية التي عانت منها الأجيال السابقة.

وإذا كان البعض لا يزال يعتبر حضور الجمهور المختلط للحفلات الموسيقية أمرا مستغربا فإن هذا الشكل من التفاعل الإنساني الطبيعي سوف يكون في المستقبل حدثا اعتياديا.

من المضحك أن أكبر مآخذ الغلاة على الفتيات اللواتي يحضرن حفلات الترفيه أنهم يريدون إلزامهن بملابس محددة وبعدم التمايل أو التفاعل أو الرقص على أنغام الموسيقى التي تصدح ويطرب لها الجميع.

التربص بمشاهد الفرح

لقد لمسنا من خلال متابعة وسائل التواصل الاجتماعي خلال الفترة الماضية مدى هياج المتطرفين وتصيدهم لمشاهد بعينها تتصدرها مشاهد الرقص التي أسعدت البعض واعتبرها دليلا على تعافي مجتمعاتنا في الخليج من تعقيدات وأزمات التطرف وسطوته القديمة، بينما اعتبر البعض تلك المشاهد علامة على الانحلال والفساد.

والحقيقة أن أنصار الغلو والتطرف رأوا في تلك المشاهد التي ترتسم فيها السعادة على وجوه الشباب والشابات بداية انتهاء سيطرة المتطرفين على عقول الأجيال في المستقبل.

في الوقت ذاته رمى متطرفو قطر بثقلهم في وسائل التواصل الاجتماعي ولم يكفّوا عن تصيّد المشاهد التي سببت لهم الذعر والقلق نتيجة لمظاهر تفاعل الشباب السعودي مع الترفيه.

والملاحظ أن أي مظاهر فرائحية في الحفلات الغنائية الراقصة تصيب المتطرفين بالجنون وتدفعهم إلى استنكار رد الفعل الإنساني الطبيعي السوي تجاه أنغام الموسيقى.

زمن ترهيب المجتمعات انتهى

إن عناصر الغناء والموسيقى التي تعتبر من أقدم الفنون كانت وسيلة الشعوب المفضلة للتعبير عن فرحها واحتفالها واقتطاع أوقات قليلة للترفيه وتكوين ذائقة فنية جماعية. وعندما نعيد التذكير بالبديهيات التي تعيشها الشعوب الأخرى لن يستوعبها الغلاة لأنهم يعتبرون الوصاية على المجتمعات من اختصاصهم.

لكن زمن ترهيب المجتمعات على أيدي المتطرفين انتهى بالتدريج. ويمكن اعتبار التحول في السعودية بوابة للدخول في مرحلة جديدة سيكون لها تأثير على المنطقة لتقليص منابع التطرف والحواضن التقليدية التي كانت تجتذب فئة الشباب وتختطف عقولهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه بموازاة هياج المتطرفين وجنونهم على وسائل التواصل الاجتماعي على الإنترنت وهم يتصيدون المظاهر الفرائحية ويعتبرونها مصائب نزلت على رؤوسهم؛ منذ متى أصبح الفرح والشعور بالسعادة جريمة؟

ولماذا بوسع كافة الشعوب الاستمتاع بالفنون وإطلاق مواهبها ومشاعرها للتعبير عن التفاعل مع أشكال الفنون المختلفة، بينما يتم تحريم تلك الأنشطة وما يترتب عليها من تفاعل في مجتمعاتنا؟

أما بالنسبة للمغردين القطريين الذين تحولوا فجأة إلى حراس للفضيلة ومستهجنين لما أسموه بالاختلاط، فنقول لهم، هل تخلو كل احتفالاتكم والندوات والمهرجانات والاستضافات الفنية من الاختلاط بالمطلق؟

نعود إلى الإمارات التي تقدم نفسها بهدوء منذ سنوات طويلة كمنارة للتلاقي الحضاري والانفتاح على استهلاك الفنون السمعية والبصرية وإتاحتها للصغار والكبار.

وفي الوقت ذاته لا نزال في الإمارات كمجتمع أصيل نحافظ على تقاليدنا وعاداتنا، رغم التنوع السكاني ورغم وجود حوالي 200 جنسية، ولكل منها ثقافتها واحتفالاتها ونواديها الثقافية.

لكن ذلك لا يؤثر على الثقافة الأصيلة كما لا يمنع من الاستفادة من جماليات فنون الآخرين. لأن للفن لغة عالمية مشتركة يمكن تذوقها، كما أن لغة الموسيقى لغة عالمية لا تفرق بين مستمع وآخر.

غير بعيد عمّا أثارته وسائل التواصل الاجتماعي تجاه مظاهر الترفيه في السعودية، لا يزال العقل العربي في وسائل الإعلام يركز على الإثارة وينظر إلى ملابس الفنانة أكثر من نظرته إلى فنها وإبداعها، وكانت المعركة الغريبة التي أثيرت حول فستان إحدى الممثلات المصريات أثناء مهرجان القاهرة السينمائي مثالا على ركود النظرة للفن والفنانين.

أما الرسالة التي نوجهها للغلاة وهم يخسرون في هذا الوقت الهيمنة القديمة على الشعوب، فنقول لهم إن من يستكثر على الناس ما هو فرائحي يجب أن يراجع صحته النفسية وانتماءه إلى العصر.

كما أن سوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أتاح للبعض ابتزاز المجتمعات بشكل رخيص والمزايدة على تدينها وإيمانها اللذين لن ينقص منهما الاستماعُ إلى الموسيقى ولا تمايل ورقص من هم في عمر الزهور ممن لم تتلوث عقولهم بمقولات التطرف المنبوذ.

أما الرد المناسب على المتطرفين فهو استمرار الترفيه ومظاهر الفرح والاحتفالات حتى تصير من الأمور الطبيعية في حياتنا مثل الشعوب الأخرى. لأن السكوت على المتطرفين يشجعهم على الحلم مرة أخرى بعودة سلطة رجل الدين، الذي يريد أن يتجول وبيده عصا من الخيزران لضرب كل من يصغي إلى موسيقى أو يرقص على إيقاع أو يحمل باقة ورد.

وها قد حان الوقت لوضع حد لتلك المظاهر البائسة التي حرمت بعض المجتمعات من الاستمتاع بالفنون وبكل مظاهر الحياة الطبيعية وأنشطتها الراقية.

جدير بالذكر أن النهج الانفتاحي الذي بدأت السعودية بالسير فيه آخذة في الإعتبار خصوصية المجتمع المحافظ تم ترسيخه بفضل “رؤية المملكة 2030” التي أطلقها ولي العهد السعودي الأمير الشاب محمد بن سلمان.

هذه الخطة الاستراتيجية الشاملة، التي تشمل مجالات عديدة ومختلفة كالثقافة والاقتصاد والتكنولوجيا الحديثة والمجتمع والتنمية، ترافقت مع مجموعة قرارات وإجراءات عصرية وجريئة لها تداعيات إيجابية على المجتمع والأسرة من بينها السماح للمرأة بقيادة السيارة وافتتاح  صالات السينما وإلغاء وصاية الرجل على المرأة في البعض من المعاملات الإدارية وإجراءات السفر.

رابط المقال: بجريدة العرب انفتاح السعودية.. ثقافة الترفيه تهزم المشاريع الظلامية

بقلم: د. سالم حميد

24 ديسمبر 2018