مضت سنوات على غياب الدبلوماسية العربية عن سوريا. إذ تركت الساحة السورية خالية فاستغلتها إيران وتركيا، ودخل الروس والأميركيون بأجندات عسكرية لا تهتم بحماية سوريا من توغل الإيرانيين والأتراك. والآن تقود الإمارات في خطوة طبيعية عملية ملء الفراغ واستعادة الحضور الدبلوماسي العربي في دمشق.

الخطوة الإماراتية أعقبت إعلان الولايات المتحدة الأميركية الانسحاب من سوريا. وهو انسحاب أعطى المتابعين للمشهد السوري انطباعا مباشرا بأن التواجد الإيراني والتوغل التركي سوف يجدان في غياب الولايات المتحدة عاملا مساعدا لتحركهما في الساحة السورية بحرية أكبر.

وبالفعل ابتهجت تركيا بالإعلان الأميركي، وسارعت بالتمهيد لواحدة من عملياتها العسكرية التي تضاف إلى عمليات نفذتها من قبل، وكلها تهدف إلى إظهار إمكانية تركيا في نقل معاركها ضد الأكراد إلى الأراضي السورية، إلى جانب استعراض القوة ومغازلة الشارع التركي لرفع رصيد أردوغان الذي يواجه بين فترة وأخرى انهيار مستوى شعبيته.

في هذا التوقيت جاء قرار دولة الإمارات إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سوريا مفاجئا للبعض، بينما اعتبره المنصفون موفقا، وأنه جاء في الوقت المناسب، لأن ما مضى من العبث الإيراني والتركي في الساحة السورية يكفي، وأصبح من الواجب المبادرة بالتحرك العربي حتى لا تترك سوريا فريسة للإيرانيين والأتـراك، كما حدث للعـراق بعد انتهـاء نظام صدام حسين.

رغم ذلك تم استغلال خطوة إعادة افتتاح سفارة دولة الإمارات في سوريا من قبل الإعلام القطري والإخواني على وجه التحديد، وذهبت التحليلات إلى الإساءة إلى الإمارات والتعليق بخبث على خبر عودة الدبلوماسية الإماراتية إلى دمشق.

لقد اضطرت الإمارات خلال السنوات الماضية التي شهدت غياب العرب عن سوريا إلى القبول برأي الأغلبية في الجامعة العربية، فكان الموقف الإماراتي منسجماً مع المحيط العربي العام. والغرض من ذلك الموقف المتشدد تجاه سوريا كان يهدف إلى الضغط على النظام في ظل ارتفاع أعداد ضحايا الأحداث التي شهدتها المدن السورية، لكن الآن وبعد أن بدأت الأوضاع تستقر بالتدريج من الناحية الأمنية، تنتفي مبررات القطيعة العربية مع سوريا. بل إن حجم التطفل الإيراني والأطماع التركية تتطلب تحركا عربيا مكثفا يؤدي إلى خلق توازن وحضور عربي رادع لقوى خارجية تعبث في الساحة السورية وتستغل انشغال النظام بتثبيت وجوده في المناطق التي يستعيدها.

أما المسار العاطفي الذي لا يزال يوجه سلوك البعض ويحدد أسلوب تقييمهم للأحداث، فإن مرجعيته معلومة. فعندما يتحدث الإعلام القطري عن تضحيات الشعب السوري تحت شعار الثورة السورية، نعرف تماما أن إعلام الدوحة يتباكى على سقوط مشروع حلفائه من تنظيم الإخوان، وهم الذين عملوا مع جهات وأنظمة أشد تطرفا بهدف تحويل الفوضى في سوريا إلى رافعة سياسية لبناء دولة للتنظيم الإخواني.

إلى الحد الذي يمكننا من توصيف جانب من المعارك التي دارت في أجزاء من سوريا أنها كانت عمليا تحدث بين قوات تنظيم “داعش” وبين خلايا مسلحة تابعة لتنظيم الإخوان. فيما الدولة السورية كسبت بفعل الفوضى مشروعية أخلاقية لحماية فكرة الدولة الجامعة التي من المفترض أن تحمي كافة المواطنين.

إن العقلانية السياسية ومصلحة الشعب السوري تقتضي وقف المد الإيراني والتركي، إلى جانب استخلاص درس مفيد من صراع السنوات الماضية، وهو أن التنوع في المجتمع السوري بحاجة إلى دولة علمانية تكفل التعايش والتسامح، وهذا لا يمكن تحقيقه إذا تمكنت قوى متطرفة من بسط نفوذها وإقامة نظام متطرف على شاكلة “داعش”.

لقد كان التهويم الإعلامي يطغى على التفكير العقلاني لما يجري في بلد انتقل من السلام والاستقرار إلى حالة الفوضى والاشتعال. بينما كانت أطماع المتطرفين ورغبتهم في تقسيم سوريا إلى دويلات تبرر لكل أعمال العنف، وبخاصة عندما كانت تتيح لهم تهريب مقاتلين يعملون في صفوفهم ولصالحهم. وبالذات أولئك الذين كانوا يدخلون عبر الحدود التركية.

أما بعد أن شارفت الحرب على الانتهاء فلا بد أن يتوقف التحليل العاطفي الذي لا يقوم على أي منطق عقلاني. والعبرة في النهاية بالمآلات التي أفضى إليها الصراع المسلح الذي تمت تغذيته بجنون، ثم كان الشعب السوري هو الخاسر الأكبر.

وجاء الانسحاب الأميركي في خاتمة المطاف ليقدم فرصة لتركيا لكي تتحرك على الحدود السورية بقطعاتها العسكرية وفقا لمجموعة أهداف تركية خالصة لا ينبغي تجاهلها. لذلك لا بد من حضور عربي لملء الفراغ.

هناك أيضا رسالة يبعثها التحرك الإماراتي الهادف إلى استعادة الحضور العربي في سوريا، وخلاصة الرسالة أن الحفاظ على كيان الدولة السورية خيار استراتيجي يتفـوق من حيث مشروعيته على من يؤيدون استمرار الفوضى والظروف التي تسمح باختراق الأمن القومي العربي عبر البوابة السورية. فعندما تنهار الدولة أو تفقد السيطرة على أجزاء من أرضها، نلاحظ كيف تنشأ كيانات بديلة تهيمن على الأرض، لذلك لا يمكن التساهل بهذا الشأن.

إن تسليم سوريا لتركيا في ظل العلاقة الوطيدة لها مع إيران، من شأنه أن يعيق في المستقبل أي رغبة عربية باستعادة سوريا إلى الثقل العربي. وإذا ما أضيف الاختراق الإيراني التركي الثنائي لسوريا إلى التأثير الإيراني على المشهد العراقي لا يمكن للعرب حينها إلا البكاء على اللبن المسكوب كما يقال. لذلك فإن الفرصة لاستعادة سوريا إلى الحضن العربي لا تزال مواتية، ويحسب لدولة الإمارات أنها كانت المبادرة بإعادة فتح سفارتها في دمشق، على أمل أن تليها سفارات عربية أخرى، وهذا أمر متوقع خلال الأسابيع القادمة.

رابط المقال بجريدة العرب: الإمارات وملء الفراغ في سوريا

بقلم: د. سالم حميد

31 ديسمبر 2018