أوشكت الزعامة الإيرانية السياسية والدينية والعسكرية، على الاقتراب كثيرا من الإعلان عن بدء إجراء تغييرات جوهرية هامة في سياساتها الداخلية والخارجية، وهو توقع بني على أسس علمية وقراءة دقيقة لما يدور في الداخل الإيراني على المستوى الشعبي وما يعاني منه من أزمات لا أمل في حلها أو الحد منها، وعلى المستوى السياسي ما يعانيه من فقر شديد في الخيارات المتاحة أمام إيران لمواجهة العقوبات الأميركية والعزلة الدولية خارجيا، ومكافحة الفساد والسيطرة على الأزمات داخليا.

وفي تتبع دقيق لتصريحات المسؤولين الإيرانيين، وما يصدر عنهم من قرارات تحدد سياسات البلاد وسلوكها في المرحلة الراهنة، نستكشف رؤية مستقبلية تقدم ملامح واضحة لبعض القناعات التي بات يدركها جيدا رموز النظام الإيراني، وعلى رأسها حساباتهم الواهمة التي كانت تدور في عالم التمنيات فقط، وتوحي بتحويل إيران إلى قوة إقليمية وعالمية عبر تصدير الثورة الخمينية إلى دول الجوار والسعي إلى بناء إمبراطورية صفوية على حساب الدول العربية، وبعد كل التكاليف البشرية والمادية والخسائر الباهضة، والتي أثقلت كاهل البلاد، وأرجعتها عشرات السنين إلى الوراء، كانت النتائج عسكية تماما وفي غير مصلحة إيران شعبا وحكومة ونظاما، فالشعب الآن يعاني الأمرين من تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية وما يتعرض له من قمع واضطهاد وسلب للحريات، والحكومة تسلب صلاحياتها شيئا فشيئا، وتقدم على أنها كبش الفداء، والنظام يتفكك وينهار ويخسر قاعدته الشعبية من جهة، وشرعية حكمه من جهة أخرى.

لذا فإن الواقع الحقيقي للداخل الإيراني، وما تشهده البلاد من أزمات ومشاكل سياسية واقتصادية وأمنية، وفقدان النظام والحكومة أي برامج أو سياسيات تمكنها من مواجهة أثر العقوبات الأميركية أو معالجة الأزمات الداخلية، فضلا عما تعانيه البلاد من تزايد لعزلتها الإقليمية والعالمية، كفيلة لأن تجبر النظام الإيراني على إحداث تغيير كبير في هيكلته قد تؤدي إلى سقوطه كحل وحيد لمنع إنهياره الحتمي، أي أن الخيار ما بين حتمية السقوط أو احتمالية البقاء ليس إلا.

والمؤشرات على قرب إنهيار النظام أيضا، لها التأثير الأكبر في إجبار رموز النظام في طهران على تعديل سياساتهم ومراجعتها بشكل كامل والتخلي عن التدخلات ودعم الإرهاب، ولا سيما أن بعض هذه المؤشرات قد صدرت من شخصيات سياسية على دراية تامة بمستوى قوة النظام، مثل محسن رضايي أمين عام مجمع تشخيص مصلحة النظام، والذي اعترف بالفساد المتفشي في أركان النظام ومؤسسات الدولة، وحذر من تنامي الفساد و عدم الكفاءة وشبههما بقنبلة موقوته، وفي حالة عدم التعامل معهما بشكل جدي سيسقط النظام من الداخل.

وكشف النائب الأصولي “جواد كريمي قدوسي” وهو قائد سابق في الحرس الثوري، أن 50% من أعضاء مجلس الشورى الإيراني يسعون إلى انهيار النظام، موضحا أن هؤلاء يدعمون زعماء الاحتجاجات التي شهدتها إيران في أعقاب الانتخابات الرئاسية 2009 إثر إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية، والتي سميت بالحركة الخضراء والتي كادت أن تطيح بالنظام الإيراني لولا القبضة الحديدة والأساليب القمعية التي مارستها أجهزة النظام الأمنية ضد الشعوب الإيرانية المنتفضة ضد النظام.

وانتقد الرئيس الإيراني الأسبق “محمد خاتمي” بصورة غير مباشرة المرشد الإيراني علي خامنئي، في كلمة نشرها موقعه الرسمي على الإنترنت، وقال إن الحكومة المطلوبة هي الحكومة التي يرضى عنها الشعب، وأكد خاتمي من أن النظام إذا لم يقبل بالإصلاحات، فبكل تأكيد سيفشل، وحذر من خطر حالة عدم الثقة بين النظام والشعب الإيراني، لأنه إذا حدث ذلك، لن نحتاج حينها إلى عدو خارجي، لأن أركان النظام التي تعتمد على ثقة الشعب سوف تضعف، وحينها سيواجه النظام خطرا حقيقيا، و شبه “محمد رضا تاجيك” المستشار السياسي للرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، الوضع الإيراني الراهن بالسفينة تايتانيك، التي غرقت بكامل طاقمها وركابها في البحر عام 1912م.

وتطرق أيضا “حسن الخميني” حفيد المرشد الإيراني الأول الخميني مؤسسة الجمهورية الإيرانية الحالية، إلى ضعف النظام وقرب إنهيار مؤسساته، وقال إن البنية التحتية لأي مجتمع هي رضا الشعب، ولا يوجد ضمان بأن نبقى نحن ويذهب الآخرون، وأضاف أنه يجب أن يشعر الناس بالرضا بأي شكل من الأشكال، ويجب أن لا يکون للإجبار مکان في المجتمع، وأكد وجود أزمات كبيرة في البلاد قد تؤدي إلى إنهيار النظام، وكان حزب “نهضة الحرية” الإيراني المحظور، قد حذر أيضا  مما وصفه بخطر انهيار النظام وتفكك البلاد، داعيا إلى الاستماع لمطالب الشعب بدل قمع الاحتجاجات بالعنف.

وتحدثت فائزة هاشمي رفسنجاني بكل صراحة ووضوح عن تنامي حالة الاحتقان والغضب الشعبي في إيران من سياسات النظام، متهمة الحكومة بأنها لم تقدم حلولا للمشاكل التي يعاني منها الإيرانيون، وقالت إن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية تتزايد في إيران دون حل، وأن النظام الإيراني بدأ ينهار من الداخل، لكن لم يحدث انهيار كامل للنظام حتى الآن، وأعتقد أن هناك احتمالية كبيرة لحدوث ذلك.

إضافة إلى ما سبق من دلائل، فإن إدراك رأس النظام الحالي، المرشد الأعلى علي خامنئي، وقادة الحرس الثوري، أن إيران ستواجه أكبر أزمة سياسية بعد رحيل خامنئي الذي يتصارع مع المرض حاليا، وذلك حول الشخصية التي ستحل محله كأعلى سلطة في البلاد، وعملية انتقال السلطة، وبروز تيار ديني وسياسي يزداد قوة يوما بعد يوم، يرى ضرورة إلغاء منصب المرشد أو الحد من صلاحياته على الأقل، والأهم من هذا، أن الكثير من الشخصيات السياسية والعسكرية والأمنية في الداخل الإيراني ترى أن من مصلحتها الانضمام إلى هذا التيار لإزالة أكبر عائق لتقدم البلاد وتحرير مؤسساتها من قبضة بيت المرشد والحرس الثوري.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

31 ديسمبر 2018