عودة العقوبات الأميركية على طهران، ونقص الموارد المالية، وصعوبة تأمين وتوفير السلع الأساسية، وارتفاع أسعار السلع والمنتوجات، وهروب الاستثمارات والمستثمرين من إيران، وارتفاع أسعار العملة الصعبة أمام العملة المحلية، والتي رافقها ارتفاعا جنونيا في الأسعار ومعدلات التضخم، إضافة إلى الأزمات والمشاكل التي ورثها عام 2018 عن سنة 2017، ستلقي بظلالها سلبا على الأوضاع السياسية والاقتصادية لإيران وعلى معيشة المواطن الإيراني في عام 2019.

المؤشرات كافة في إيران، وخاصة مؤشر النمو الاقتصادي، تدل في مجملها على أن الأوضاع تتجه نحو الأسوأ، وأن الحكومة كانت ولا تزال عاجزة عن إيجاد حلول لأزماتها، ولا سيما أن مؤشر النمو الاقتصادي لإيران سيكون سلبيا للغاية في عام 2019، حيث أكد البنك الدولي أن النمو الاقتصادي لإيران في هذا العام سيكون سالب 3.6%، وحسب رأي الخبراء، فإن وصول النمو الاقتصادي لدولة سكانها نحو 82 مليون نسمة، يعني أن هناك انهيار شامل ينتظر البلاد ما لم يطرأ تغيير شامل على سياساتها يقود إلى إزالة كل أو بعض الأسباب التي قادت إلى هذه الأوضاع.

باحثو صندوق النقد الدولي توقعوا أيضا نفس هذا المعدل للنمو الاقتصادي في إيران العام الجاري، لكن مركز أبحاث مجلس النواب الإيراني يبدو أكثر تشاؤما من هاتين المؤسستين الدوليتين بشأن مستقبل اقتصاد البلاد، وهو ما يدل على أن هاتين المؤسستين قد اعتمدت في تقديراتها على أفضل الظروف والتوقعات، إضافة إلى أنها بعيدة عن حقيقة الأوضاع في الداخل الإيراني، وهو ما جعل تقديرات مركز الأبحاث التابع لمجلس الشورى الإيراني تحمل إشارات أكثر سلبية للأوضاع في إيران في العام الجديد، ورأى أن معدل النمو الاقتصادي لإيران سيكون ما بين سالب 4.5 وسالب 5.5%، وهو ماسيزيد من الأزمات والمشاكل ويضع إيران بشكل عام في مرحلة تعتبر الأكثر خطورة وتعقيدا في تاريخها.

ولكن وفقا لنتائج العديد من الدراسات، والتي غالبيتها إيرانية، فإن الأوضاع في إيران ستصل في عام 2019، ولا سيما في الربع الأخير، إلى حد الإنفجار، وستصل سالبية النمو الاقتصادي إلى أكثر من سالب 20%، وهي النسبة التي غالبا ما يرافقها إنهيار اقتصادي شامل في البلاد، لأن هذه النسبة ستقود إلى ارتفاع معدلات البطالة بشكل مفاجئ قد تصل إلى 70%، وستشهد القطاعات الانتاجية شللا كاملا مع ارتفاع حاد في التضخم وارتفاع الأسعار ودخول البلاد في فوضى حاضنة لانتفاضة شعبية عارمة، غير أن ردود أفعال النظام الإيراني، وما في جعبته من مخططات استباقية لوأد هذه الثورة، هو الأخطر على إيران والمنطقة، كإشعال حرب خارجية لإطفاء النيران الداخلية، أو نشر جماعات إرهابية في الداخل الإيراني لتهديد الشعوب بها وقمع الثورة تحت غطاء مكافحة الإرهاب.

ميزانية إيران للعام المقبل، وكيفية تفصيلها ومستوى اعتمادها على الغموض والإبهام في المستقبل، من أبرز مؤشرات الصفة السلبية للأوضاع الاقتصادية، وخاصة أنها تعتمد بشكل أساسي على الموارد النفطية وبيع النفط والغاز، في حين أنها كانت تبيع 2 مليون و300 ألف برميل يوميا، تناقصت هذه الكمية إلى نحو مليون و600 ألف برميل يوميا، وبعد انتهاء الفترة التي منحتها الولايات المتحدة لبعض الدول لوقف شراء النفط الإيراني، فإنه من المؤكد أن تفقد إيران مصادر دخلها من بيع النفط، وهو ما سيعرض ميزانية العام المقبل إلى مزيد من العجز الذي قد يصل إلى عدم قدرة الحكومة على دفع رواتب المؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية، والتي قد تصل إلى نحو 55 مليار دولار، مع العلم أن عوائد الضرائب والجمارك في إيران هي انتقائية للغاية، وبسبب التهرب الضريبي وتفشي الفاسد في منظومة الجمارك الإيرانية، فإن هذه العوائد لن تلبي نحو 50% من رواتب الحكومة.

لذا فإنه يمكن اعتبار أن تقديم روحاني لميزانية العام المقبل لمجس الشورى، ثم إرسالها للمرشد الإيراني علي خامنئي لوضع بعض التعديلات عليها قبل مناقشتها وإقرارها من قبل مجلس الشورى، هو أمر شكلي هدفه إعلامي للغاية، وهو تقديم صورة الثبوت والقوة لإيران، ورغم تخفيض ميزانية بعض المؤسسات، واعتمادها بشكل رئيسي على أمر مجهول، وهو كمية بيع النفط، إلا أنه يمكن اعتبارها مجرد ميزانية وهمية للغاية.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

2 يناير 2019