لابد من الإشارة قبل تناول قضية دعم الدوحة للإرهاب والجماعات المتطرفة، إلى أن التخاذل العالمي والإقليمي تجاه سياسات الدوحة، وغض الطرف عن أنشطة قطر المفضوحة، كان هو السبب الرئيسي في اتساع رقعة إنعدام الأمن وانتشار الفتن ونشر الفوضى والاقتتال في المنطقة، وأيضا وصول الأنشطة الإرهابية إلى دول أوروبية وتمكن الجماعات المتطرفة من زعزعة أمن وستقرار دول عديدة في العالم.

وبداية يجب القول إن تنظيم الحمدين قد نجح في تسويق أفكاره ونهجه لدى الجماعات المتطرفة، وإقناع قيادات هذه الجماعات بالتعاون مع النظام القطري بعد صياغته للأهداف المرجوة من قبله ومدى تطابقها مع أهداف هذه الأنظمة الإرهابية، محفزا لهم بتقديم الدعم المالي واللوجستي والاستخباراتي، بعد التأكيد على العمل بسرية تامة بما يخدم أهداف الطرفين.

ولتحقيق ذلك تبنى النظام القطري ومن خلال جراثيمه الإعلامية، التسويق لقاعدة جواز استخدام الإرهاب والعنف عند الضرورة والحاجة، وبثها في أفكار العامة من الشعوب العربية والإسلامية، عن طريق جماعاته المتطرفة التي عملت تحت غطاء الدعوية وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمين، فكانت هذه الأفكار السبب في انضمام الكثير من الشباب لهذه الجماعات الإرهابية، ما جعل قادة التطرف يثقون أكثر فأكثر بتنظيم الحمدين ويدفعهم إلى تشكيل تحالفات وعلاقات على كافة المستويات؟

علاوة على ذلك، عملت السلطات القطرية منذ زمن الترويج لفكرة دعوة بعض الجماعات الإرهابية مثل الإخوان، وأن مهمتها الأساسية دينية وهي الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونجحت أيضا في إقناع بعض الحكومات العربية بذلك وعلى رأسها مصر، وبذلك تمكنت من مراوغة الأجهزة الأمنية والإفلات من رقاباتها الشديدة، حيث اكتفت تلك الأجهزة بمتاعبة ومراقبة أنشطة الجماعة، ولم تتبنى نهج إيقاف أنشطتها أو منعها والتحذير منها، وقد حققت قطر وأذرعها الإرهابية من هذه المخططات نجاحات كبيرة للغاية، بحيث تمكنت تلك الجماعات من إخفاء إرهابيتها والظهور بلباس التقوى حتى خدعت الكثير من الشباب العربي، واستطاعت الانتشار في أكثر من دولة مثل مصر وتونس وليبيا والأردن ودول خليجية وغيرها، وبقيت على استعداد لتلقي الضوء الأخضر من القيادات المرتبطة في نهجها وقراراتها بالقيادة القطرية، لنزع اللثام والكشف عن وجهها الإرهابي الحقيقي.

وأصبحت الأنشطة القطرية الإرهابية تنقسم إلى قسمين: الأول هو ذاتي، وهو الذي تمارسه بنفسها، من خلال تنفيذ الاغتيالات والتهديدات والأنشطة الإرهابية والقتل والتفجير .. ، والثاني هو ما تدفع الآخر للقيام به، من خلال تقديم الدعم اللوجستي والمادي والمعنوي وتقديم الخبرات .. لجماعت إرهابية أخرى تنشط ضد الأنظمة العربية.

ومن المؤكد أيضا، أن تنظيم الحمدين وباستخدام الإخوان وأفكارهم المضللة، كان ولا يزال يشكل “جسر العبور” الذي يمر من خلاله المتطرفون في طريقهم إلى الانضمام إلى الجماعات الإرهابية الأخرى، وبالفعل فقد مر عبر تنطيم الحمدين أعداد لا بأس بها من عناصر القاعدة والجهاد الإسلامي وداعش وجبهة النصرة … وغيرها، كما أن التنظيم أيضا يعتبر من بين طرق التشيع أيضا.

ومن خلال دراسة الأنماط والسبل التي اعتمدتها الحكومات العربية وأجهزتها الأمنية في تعاملها مع التنظيم القطري وشريكه الإخواني، يمكن التوصل إلى الأخطاء والقصور التي استطاعت هذه التنظيمات من خلالها أن تنشئ قاعدة شعبية ونفوذ لها في عدد من الدول العربية وخاصة مصر وتونس التي كانت معروفة بعلمانيتها ورفضها لأي تشدد ديني، وأهم هذه الأخطاء هو السماح لوسائل الإعلام القطرية وعلى رأسها شبكة الجزيرة من البث والانتشار والعمل في الأقطار العربية، وأيضا الفشل في  تفكيك أفكار الحمدين والإخوان وكشف تناقضاتها وتلاعبها، أو بالأحرى عدم إعطاء الأهمية اللازمة لتفكيك هذا الفكر الشيطاني من قبل الحكومات العربية وأجهزتها، حتى أصبحت الدوحة مصدرا وصانعا للإرهاب الذي ينشط ويركز على إضعاف الأنظمة والحكومات العربية من خلال نشر الفوضى وعدم الاستقرار.

إن أهم نتيجة لغض الطرف عن الأنشطة القطرية وإهمال تفكيك الفكر الإخواني من قبل الحكومات العربية، والاكتفاء بمراقبة أنشطة هذه الجماعات في الدول العربية من قبل الأجهزة الأمنية، كانت انضمام أعداد كبيرة من الشباب العربي “المغرر بهم” إلى هذه الجماعة التي قدمت نفسها على أنها البيت السعيد في الدنيا، والطريق الأوسع والأسرع والأضمن إلى الجنة في الآخرة، فأصبحت جيوش عناصرها المغرر بها والتي هي جزء من المجتمع المدني والمكون الجامعي سلاح بيدها تستقوي به على الحكومات والأنظمة العربية، وتحولت إلى أدوات ضاربة وفعالة لتنفيذ المخططات القطرية والإخوانية في المنطقة.

وخلال السنوات الماضية من عمر تنظيم الحمدين، عملت السلطات القطرية على تنويع مكونات جماعات التنظيم الإخواني، فئويا وفكريا وثقافيا وحتى عرقيا، ما جعل لها العديد من الخيارات للتواصل مع الجماعات الإرهابية المنتشرة في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، واستخدامها كأداة ضاربة عند اللزوم.

ومن هنا نسخلص نتيجة هامة للغاية، وهي أن قيادات تنظيم الحمدين قد تعمدت على جعل تنظيم الإخوان عبارة عن محطة وجسر يعبر منه الشباب المغرر بهم إلى الجماعات الإرهابية، مع الحرص على استمرار التواصل مع هذه العناصر، والتي تتحدث التقارير عن أن بعضهم أصبحوا من أبرز قيادات التنظيمات الإرهابية الأخرى، ولكنهم استمروا بالولاء للنظام القطري والاتصال مع قياداته، وهو السر من وراء قدرة تنظيم الحمدين على السيطرة على أنشطة وتوجهات الجماعات الإرهابية كافة في المنطقة.

وتؤكد طبيعة أنشطة التنظيمات الإرهابية وأهدافها وطريقة إدارتها، أن هناك دعما ماليا وفكريا وسياسيا ولوجستيا واستخباراتيا تتلقاه من السلطات القطرية، ومن يقود عملية إدارة الاتصالات والقنوات السرية بين التنظيمات الإرهابية مع بعضها البعض من جهة، ومع قيادات تنظيم الحمدين من جهة أخرى، هم قيادات من جماعة التنظيم الإخواني التي تنشط بشكل دولي وتعمل وتتحرك بسرية تامة، وهو ما تؤكده التقارير التي تحدثت عن حركة الأموال بين دول أوروبية وقطر وتركيا ومصر أثناء حكم الإخواني محمد مرسي وعددا من التنظيمات الإرهابية المنتشرة في المنطقة.

وتثبت الدراسات والأبحاث أن كافة التنظيمات الإسلامية الإرهابية وعلى رأسها القاعدة وداعش وبوكوحرام وغيرها، تتشارك في نفس المنظومة الفكرية والأيديولوجية التى جاءت جذورها من عقيدة وأفكار جماعة الإخوان، والتي روجت ولا تزال تروج لها السلطات القطرية عبر منظومتها الإعلامية والفكرية، والتي كلما اتسعت دائرتها اتسعت معها دائرة الإرهاب والأنشطة الإرهابية في المنطقة والعالم، لذا فعند تتبع أصول أي جماعة إرهابية، يظهر بشكل واضح ارتباط هذه الجماعة بالفكر والعقيدة الإخوانية المدعومة من قطر، والتي تقوم على قاعدة “استخدام العنف عند الضرورة”.

ويهدف تنظيم الحمدين من دعمه للجماعات الإرهابية، إضعاف الأنظمة العربية واستنزاف جيوشها كأحد أهم الطرق لإقامة دولة الخلافة الإسلامية بزعامة القيادات الإخوانية التي تعمل بإمرة الحمدين، لذا، فإنه يمكن القول أن الجماعات الإرهابية بكافة مسمياتها، هي عبارة عن منظومة وشبكة قطرية بلباس إخواني، يدعم أعضاؤها بعضهم البعض، مع السماح لاختلافات فكرية وأيديولوجية في بعض الأحيان، غير أن النهج والأهداف واحدة، لذلك فإن غالبية قيادات التنظيمات الإرهابية الأكثر شهرة وهي القاعدة وداعش وبوكو حرام والشباب كانوا أعضاء فى تنظيم الإخوان، الذي يمكن اعتباره على أنه البوابة الرئيسية التي تقود إلى الجماعات الإرهابية، ومقرها في الدوحة.

لذا، فقد حرصت قطر كثيرا، عبر الرشاوي ودفع المليارت، على منع تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة إرهابية في الولايات المتحدة الأميركية رغم وجود توجه كبير وقوي في الإدارة الأميركية لتنصيف تنظيم الإخوان كجماعة إرهابية، قطر وتركيا لعبت دورا كبيرا في منع حدوث هذا الأمر، لأن إدراج تنظيم الإخوان على قائمة الإرهاب الأميركية يحرم الجماعة والمؤسسات والتنظيمات التابعة لها من التواجد في أوروبا وأميركا، وفي كل الأحوال إذا أقر ذلك المشروع فإن ذلك سيحرم هذه الجماعة في العمل في العديد من الدول الهامة غير أوروبا وأميركا مثل ماليزيا، وستتاولى الدول في عزلة هذا التنظيم ومحاربته، ما يعني أفول النفوذ القطري تماما.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

6 يناير 2019