تصدر بين الفينة والأخرى تصريحات لقادة عسكريين في إيران تفصح عن وجود نوايا إيرانية في التوسع البحري في المحيط الأطلسي، وتؤكد وجود تخطيط لتأسيس أسطول بحري إيراني في المحيط الأطلسي، وقد أشار إلى ذلك سابقا القائد السابق للقوة البحرية التابعة للجيش الإيراني الاميرال “حبيب الله سياري”، ثم أعلن خلفه قائد بحرية الجيش الإيراني الحالي الأميرال “حسين خانزادي” عن عزم بلاده إرسال الأسطول الإيراني إلى المحيط الأطلنطي، ورفع العلم الإيراني في خليج المكسيك، واليوم يعلن نائب قائد القوات البحرية عن توجّه مجموعة من القطع البحرية الإيرانية في شهر مارس 2019، إلى المحيط الأطلسي في مهمة تستمر حوالي خمسة أشهر، وفي كل يوم تصدر تصريحات لقادة إيرانيين حول تعزيز قوة الأسطول البحري والقوة البحرية الإيرانية وانضمام مدمرات وغواصات … وغيرها.

ولكن في الحقيقة، فإن تبجح قادة إيران العسكريين وتهويلهم، وتضخيم قوتهم في محاولة إظهار القوة العسكرية وخاصة البحرية بشكل مبالغ فيه، لا يعدو أن يكون حربا نفسية وسلعة إعلامية للاستهلاك المحلي ومحاولة الحصول على مكاسب دبلوماسية وطمأنة حلفاء إيران وتعزيز روحهم المعنية والتي تشهد إنهيارا كبيرا في هذه المرحلة.

تسعى إيران من هذه التنطعات إلى إضافة نقطة سجال إعلامية للنزاع الأميركي الإيراني الصوري للترويج لقوة إيران ومكانتها الوهمية، واحراف الرأي العام المحلي عن القضايا والأزمات الهامة التي تحولت إلى وقود لعدد من الاحتجاجات والمظاهرات ضد سياسات النظام، فإحرام الأنظار أحد أهم أهداف تبجحات قادة إيران حول تنامي القوة العسكرية الإيرانية ووصولها إلى المحيطات العالمية.

الهدف الثاني يتمحور حول محاولة صناعة ذريعة لتواجد إيراني في المياه الدولية، هدفه في الحقيقة الإعداد لتنفيذ أنشطة إرهابية واستهداف مصالح الدول التي تقف في وجه المشروع الإيراني، أي التخطيط إلى ضرب ناقلات النفط عن طريق جماعات إرهابية تقوم إيران بإعدادها وإرسالها إلى مناطق حساسة في المياه الدولية لاستهداف الملاحة التجارية وناقلات النفط وتهديد أمن واستقرار الملاحة البحرية بشكل عام، وربما ستبتعد إيران أكثر من ذلك في محاولتها صناعة قواعد عسكرية في المحيطات والمياه الدولية لأجل تكثيف العمل الإرهابي ضد مصالح الدول التي تسعى إيران إلى استهدافها والنيل منها.

لذا فإن حقيقة أن إيران تريد الوصول إلى المحيط الأطلسي لمقارعة الولايات المتحدة هي كذبة مفضوحة يراها العديد أنها مجرد دعابة، وافتضاحها لا يحتاج للكثير، فقط الرجوع إلى التعليقات الساخرة من قبل الأميركيين والأوربيين وحتى الإيرانيين على هذه التصريحات، فالجيمع يعلم أنه لا يمكن مقارنة القدرات العسكرية الإيرانية، بالقدرات العسكرية الأميركية، فالفارق شاسع وهذا أمر لا نقاش فيه، وقادة إيران العسكريين والسياسيين يدركون ذلك تماما ويعترفون به صراحة، بل يمكن القول أن قادة النظام الإيراني، أكثر قادة العالم يخشون الولايات المتحدة الأميركية، ويتجنبون إغضابها من خلال تقديم التنازلات على كافة الأصعدة والتي أغلبها ما تكون خفية وتتم بصورة سرية.

فهدف إيران من محاولتها التوسع بحريا هو توسيع نفوذها وتدخلاتها في دول المنطقة، وجزء من آليات تنفيذ مشروعها التوسعي وتصدير الثورة ونشر التشيع، ومحاولة إيران التواجد بحريا في خليج عدن وعلى المداخل الجنوبية الغربية للمحيط الهادي، وعلى امتداد الخط البحري الاستراتيجي بين مضيق هرمز وبين باب المندب، تهدف بالأساس إلى تميهد الطرق وتهئية الظروف لمزيد من التدخلات الإيرانية، ومساندة تدخلاتها البرية في اليمن وسوريا والعراق وغيرها، والأهم هو توسيع دائرة تهديدها بتنفيذ أنشطة إرهابية بريا وبحريا وتشكيل جماعات متطرفة وإرهابية تستهدف مصالح الدول العربية في البر والبحر، لا سيما أن ما أعلنت عنه إيران حول ما تسميه بالمدمرة الإيرانية “سهند”، قادرة على حمل طائرات وصواريخ وأسلحة ثقيلة، ويمكن أيضا تحويلها إلى قاعدة عسكرية تنطلق منها أنشطة الجماعات الإرهابية.

الرأي العام الإيراني يرى في هذه النوايا، استمرارا لسياسات النظام وتدخلاته في المنطقة، وقناة أخرى من قنوات إهدار الجهود والأموال الإيرانية بلا جدوى، ويؤكد الخبراء المتابعين أن هذه السياسات لن تجلب إلى إيران سوى مزيد من الأزمات والمشاكل الداخلية والعزلة الدولية، ولن تكون ذات فعالية عسكرية مؤثرة، فالأسطول البحري الإيراني غير فعال، ولا يستحق أصلا تسميته بأسطول بحري، لأنه عبارة عن سفن قديمة قتالية تم شراؤها في عهد الشاه، والتي يؤكد الخبراء أنها أصبحت متهالكة، ولا تتمتع بأي قدرات تكنولوجية أو فنية، وقد تم تصميم هذه السفن على أساس منصات سفن حربية إيطالية وبريطانية من الخمسينيات والستينيات، لذا فلا يمكن أبدا أن يتواجد مثل هذه الأسطول المتهالك إلى جانب الأساطيل البحرية القوية مثل أميركا وروسيا والصين وبريطانيا، لا سميا أن بريطانيا وأميركا لديهما وجود بحري قوي في المحيط الأطلسي، فبريطانيا لديها أسطول في الشرق والولايات المتحدة في الغرب، وسيكون لهذه الأساطيل ردة فعل قاسية تجاه أي وجود عسكري إيراني في المحيط الأطلسي، فضلا عن أن الأسطول البحري يحتاج إلى دولة مضيفة، ولن تجد إيران ما يضيف أسطولها المزعوم رغم وجود أصدقاء لها في أميركا الجنوبية.

إن ما تحركه إيران من قطع بحرية باتجاه المحيط الأطلسي، وما تنشره من سفن في بحر الصين الجنوبي ومضيق باب المندب وخليج عدن والمحيط الهندي والبحر الأبيض المتوسط وقناة السويس ومضيق ملقا ومناطق بحرية أخرى حساسة، لا يمكّنها من فرض تواجدها العسكري الحقيقي في تلك المناطق أبدا، وإنما يمكنها من استخدام هذه القطع البحرية لتنفيذ أنشطة إرهابية تهدد بها الدول الإقليمية وتستهدف مصالحها القومية، وتضمن من خلالها تأمين طرق إيصال الأسلحة والعتاد لأذرع إيران الإرهابية وعلى رأسها الحوثيين في اليمن.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

7 يناير 2019