يعتبر عام 2018 العام الأكثر فشلا للاستراتيجيات الإيرانية بشكل عام، والأسوأ على الإطلاق لنظام الملالي الذي يدير ويحكم إيران بانفرادية ودكتاتورية تامة منذ أربعين عاما، كانت حصيلتها أن تصبح إيران أكثر دول العالم عزلة في هذه الأوقات، وشعبها أكثر شعوب الأرض معاناة من الأزمات والمشاكل الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية والأمنية، رغم أنها دولة غنية بمواردها الطبيعية التي لو أديرت بشكل جيد واستثمرت في المسارات الصحيحة لكانت إيران حاليا من أغنى دول العالم على الإطلاق.

هذه النتيجة، التي باتت تدرك أسبابها الشعوب الإيراية، أحدثت خلال السنوات القليلة الماضية متغيرات في الفكر الشعبي الإيراني، جعلته يكسر القيود والمحرمات التي حاصرته بها أجهزة النظام وعلى رأسها الحرس الثوري، ليشكل عام 2018 تطورا نوعيا في ارتفاع سقف “جرأة الداخل الإيراني” ضد نظام الملالي سياسيا وشعبيا وإعلاميا، ما يشير إلى مرحلة قادمة من عمر النظام ستشهد تمهيدا لمظاهرات وثورة شعبية عارمة ضد حكم نظام ولاية الفقيه وسياسات الحرس الثوري الداخلية والخارجية.

لقد بدات بعض الصحف الإيرانية، ولا سيما التابعة للتيار الإصلاحي، والتي تعبر عن حقيقة رؤية ورأي الشارع الإيراني في الداخل، تكسر القيود وتتجاوز المحرمات بإفصاحها عن الانتقاد العلني لسياسات وتدخلات إيران الخارجية والتي يحددها ويرسمها المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي وينفذها الحرس الثوري، وذلك بعد أن كانت المهمة الرئيسية لكافة وسائل الإعلام الإيرانية تقتصر على التصفيق لسياسات النظام والترويج لها والدفاع عنها، دون التطرق لأي من سلبياتها التي لا تعد ولا تحصى، وإذا طرأت مشكلة أو أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، فإنه يسمح بانتقاد الحكومة والوزراء، وتقديمهم ككبش فداء لسياسات النظام أمام الجمهور الإيراني، ومن يتجاوز الخطوط الحمراء في انتقاد أي من سياسات أو أفكار المرشد الإيراني فإن مصيره السجن والاعتقال وإغلاق الجهة الإعلامية التي يعمل فيها، بتهم كثيرة لا تعد ولا تحصى، مثل الإفساد في الأرض وتقويض أمن واستقرار البلاد أو التعامل مع جهات أجنبية معادية للثورة الإيرانية وغيرها الكثير، لذا تتصدر إيران دول العالم من حيث عدد سجناء التعبير عن الرأي واعتقال النشطاء السياسيين والصحفيين وقمع الحريات وسلب الحقوق المدنية والسياسية والثقافية وتنفيذ الإعدامات.

لكن الأمر المستجد، والمثير للاهتمام، هو أن الصحف الإيرانية وخاصة التابعة للتيار الإصلاحي، والموجودة في الداخل، قد بدأت تكسر الحواجز والمحرمات، وتنتقد علانية سياسات المرشد الإيراني، وهي ظاهرة أخرى من ظواهر ارتفاع سقف الجرأة في إيران بعد قيام عدد من الرموز والشخصيات السياسية مؤخرا، وعلى رأسهم الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، و“حسن الخميني” حفيد المرشد الإيراني الأول الخميني، وفائزة هاشمي رفسنجاني، وعدد كبير من أعضاء مجلس الشورى وشخصيات ورموز سياسية، بانتقاد سياسات خامنئي والتحذير من سقوط النظام الإيراني لأسباب عديدة أهمها التدخلات الإيرانية الخارجية وتوريط إيران في الملفات الإقليمية، وانتشار الفساد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وغيرها، وتتسع حاليا ظاهرة انتقاد سياسات خامنئي بين شخصيات ورموز سياسية وأعضاء في مجلس الشورى، إذ انتقد النائب في البرلمان الإيراني “جليل رحيمي جهان أبادي” السياسية الخارجية لبلاده، قائلا: سياسة إيران الخارجية لديها كثير من التكاليف غير الضرورية، ويمكن أن تتركنا مشلولين في شوارع طهران”، مطالبا بإزالة التكاليف غير الضرورية من إنفاق البلاد، والتي يقصد بها تكاليف التدخلات الإيرانية في المنطقة، مستشهدا بالاتحاد السوفيتي السابق الذي تفكك في نهاية حكمه، بالرغم من امتلاكه لرؤوس حربية نووية.

وتعتبر صحيفة آرمان وصحيفة اعتماد وصحيفة “ابتكار” غيرها، والتي تعد من بين أهم الصحف الإيرانية المتداولة في الداخل، من بين الصحف التي بدأت برفع سقف جرأتها وتوجيه انتقاداتها لسياسات النظام، وخير مثال على ذلك افتتاحية صحيفة ابتكار في عددها الصادر يوم 9 يناير 2019،  بقلم عضو كتلة “أميد” في البرلمان الإيراني “غلام رضا حيدري” والذي تطرق فيها إلى ضرورة الاطلاع والاهتمام بالمصالح الوطنية الإيرانية بدلا من التدخلات الخارجية، معتبرا ذلك أهم بكثير من مناصرة إيران للمستضعفين في الأرض، وبدأ الكاتب بالتأكيد على أن العقوبات الأميركية سيكون لها تأثير على الأوضاع في إيران، ومن يقول غير ذلك فهو جاهل، وذلك في إشارة منه إلى تصريحات كبار قادة إيران الذين عادة ما يؤكدون أن العقوبات الأميركية لن يكون لها أي تأثير على إيران، ثم تطرق الكاتب إلى الميزانية التي أقرتها الحكومة للعام الإيراني المقبل، وانتقد فيها بشدة ميزانية مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، والتي تعتبر من أهم مؤسسات النظام والتابعة للمرشد الإيراني مباشرة، حيث أكد حيدري أنها لا تستحق مثل هذه الميزانية الضخمة، متساءلا عن الأعمال والانجازات الوطنية التي تقدمها هذه المؤسسة، نافيا ادعاءاتها بأن عدد جمهورها يتزايد يوما بعد يوم، مؤكدا أن الجمهور الإيراني يذهب إلى فضائيات ومحطات أخرى غير التلفزيون الإيراني، كما تطرق أيضا إلى ميزانية الدفاع، وانتقد تدخلات إيران الخارجية تحت غطاء نصرة المستضعفين في الأرض، مشيرا إلى أن الداخل الإيراني هو الذي بحاجة إلى مساعدة ونصرة، خاصة أن أعداد الفقراء يتزايدون يوما بعد يوم وفقا للإحصائيات الإيرانية الرسمية، ودعا حيدري إلى ضرورة إعادة النظر في سياسات إيران الخارجية، مؤكدا أن حماية المصالح الوطنية لإيران هي الأهم، وأولى بكثير من هدر النظام لمليارات الدولارات على ملفات إقليمية لا جدوى منها.

في الحقيقة فإن هذا تطور في غاية الأهمية، ويشير ارتفاع سقف الجرأة سياسيا وإعلاميا ضد نظام الولي الفقيه إلى عدة نقاط هامة، أبرزها:

أولا: هبوط مكانة المرشد في المجتمعات الإيرانية، وفقدان قاعدته الشعبية، وارتفاع سقف الجرأة ضد النظام.

ثانيا: فشل الحرس الثوري في منع الشعب والمعارضين للنظام من تجاوز الخطوط الحمراء وكسر المحرمات.

ثالثا: اتساع رقعة المعارضة الشعبية والسياسية للنظام الإيراني في الداخل، وتطابق رؤيتها وأهدافها مع المعارضة الإيرانية في الخارج، وهو تطور في غاية الأهمية يشير بدوره إلى بداية أفول سيطرة أجهزة النظام على الداخل الإيراني.

رابعا: انتهاء صلاحية الأفكار والسياسات التي أسسها الخميني ورممها خامنئي، وعدم تقبلها من قبل المجتمعات الإيرانية خاصة فئة الشباب المتطلع إلى الانفتاح على العالم، والذي يرى أن المنفذ الوحيد لذلك هو شطب هذه السياسات الرجعية والتخلص من نظام الملالي.

خامسا: بروز حالة من الوعي المجتمعي، وتصاعد الجرأة لدى الشارع الإيراني، وتلاحم الأهداف بين غالبية أطياف الشعب، مع تراجع حاد في أنصار نظام الولي الفقيه وقدرة أجهزته على السيطرة على المعارضة رغم استخدامها أشد أنواع القمع والتعذيب والاضطهاد.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 يناير 2019