مدخل

صيغت هذه التوقعات بعد دراسة دقيقة لأبرز المحطات والأحداث والمتغيرات السياسية والاقتصادية التي طرأت على الداخل الإيراني لأسباب داخلية أو خارجية، أثرت بشكل كبير على سير إدراة شؤون البلاد بشكل عام، ومن ثم دراسة ما شهدته إيران من تطورات في عام 2018 ومقارنتها بالأعوام السابقة، والتحري عن الأسباب الحقيقية لهذه التطورات والمتغيرات والأحداث سواء من الناحية السلبية أو الإيجابية داخليا وخارجيا.

2018 عام الأزمات والاحتجاجات

تعرضت إيران في العام المنصرم لأزمات قوية وضربات عنيفة، لكنها “أظهرت نسبيا قدرة على الصمود حتى الآن”، لدرجة يمكن القول معها: إنها كانت من أسوأ  مراحل عمر النظام الإيراني، ودلت دلالة واضحة على أن النظام والحرس الثوري قد فشلا في الحفاظ على مكانتهما السابقة بين الشعوب الإيرانية التي بدأت تكسر القيود وتتخطى المحرمات في معارضتها ورفضها لسياسات النظام والنظام نفسه.

شهدت إيران بداية عام 2018 احتجاجات شعبية في نحو 100 مدينة إيرانية (تراوحت التقارير ما بين 40 إلى 120 مدينة إيرانية)، وتواصلت المظاهرات باندلاع احتجاجات سائقي الشاحنات، وعمال مصانع القصب في الأحواز، إضافة إلى احتجاجات العمال والطلبة والمعلمين والتجار، ناهيك عن عدد من الاحتجاجات والحركات الحقوقية والسياسية الفئوية لتي تشهدها إيران بين الفينة والأخرى.

كما تعرضت البلاد إلى هجمات إرهابية وأخرى استهدفت مقرات ومراكز الحرس الثوري وقوى الأمن الداخلي، وللمرة الثانية تعلن إيران تنفيذها عمليات عسكرية خارج حدودها بضرب مقار القوات الإرهابية بعد استهدافها في شرق الفرات في سوريا بصواريخ باليستية، ثأرا لهجوم الأهواز، بعد أن أعلنت للمرة الأولى في يونيو 2017 أنها استهدفت بمجموعة صواريخ أطلقتها من غرب إيران على قواعد الجماعات الإرهابية في منطقة دير الزور في سوريا، ردا على الاعتداءات التي استهدفت في السابع من يونيو 2017 مجلس الشورى الإيراني وضريح الخميني في طهران واسفرت عن مقتل 17 شخصا وتبناها تنظيم داعش.

ارتفاع سقف الجرأة ضد النظام

كما تصاعدت حدة الانتقادات لسياسات النظام، وارتفع سقف الجرأة لدى العديد من رموز الإصلاح أمثال حسين الخميني وفائزة هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي وغيرهم، وراحت صحف إيرانية إصلاحية ترفع من سقف جرأتها في انتقاد سياسات البلاد الخارجية، والتي يرسمها ويحددها المرشد الإيراني علي خامنئي، وانتقادها يعني في إيران انتقاد المرشد الأعلى الذي يعتبر خطا أحمر وأي انتقاد له يعني كسر المحرمات، وخير مثال على ذلك افتتاحية صحيفة ابتكار في عددها الصادر يوم 9 يناير 2019،  بقلم عضو كتلة “أميد” في البرلمان الإيراني “غلام رضا حيدري” والذي تطرق فيها إلى ضرورة الاطلاع والاهتمام بالمصالح الوطنية الإيرانية بدلا من التدخلات الخارجية، معتبرا ذلك أهم بكثير من مناصرة إيران للمستضعفين في الأرض، وبدأ الكاتب بالتأكيد على أن العقوبات الأميركية سيكون لها تأثير على الأوضاع في إيران، ومن يقول غير ذلك فهو جاهل، وذلك في إشارة منه إلى تصريحات كبار قادة إيران الذين عادة ما يؤكدون أن العقوبات الأميركية لن يكون لها أي تأثير على إيران، ثم تطرق الكاتب إلى الميزانية التي أقرتها الحكومة للعام الإيراني المقبل، وانتقد فيها بشدة ميزانية مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، والتي تعتبر من أهم مؤسسات النظام والتابعة للمرشد الإيراني مباشرة، حيث أكد حيدري أنها لا تستحق مثل هذه الميزانية الضخمة، متساءلا عن الأعمال والإنجازات الوطنية التي تقدمها هذه المؤسسة، نافيا ادعاءاتها بأن عدد جمهورها يتزايد يوما بعد يوم، مؤكدا أن الجمهور الإيراني يذهب إلى فضائيات ومحطات أخرى غير التلفزيون الإيراني، كما تطرق أيضا إلى ميزانية الدفاع، وانتقد تدخلات إيران الخارجية تحت غطاء نصرة المستضعفين في الأرض، مشيرا إلى أن الداخل الإيراني هو الذي بحاجة إلى مساعدة ونصرة، خاصة أن أعداد الفقراء يتزايدون يوما بعد يوم وفقا للإحصائيات الإيرانية الرسمية، ودعا حيدري إلى ضرورة إعادة النظر في سياسات إيران الخارجية، مؤكدا أن حماية المصالح الوطنية لإيران هي الأهم، وأولى بكثير من هدر النظام لمليارات الدولارات على ملفات إقليمية لا جدوى منها.

كما انتقد عدد من الرموز والشخصيات السياسية مؤخرا، وعلى رأسهم الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، و“حسن الخميني” حفيد المرشد الإيراني الأول الخميني، وفائزة هاشمي رفسنجاني، وعدد كبير من أعضاء مجلس الشورى وشخصيات ورموز سياسية، سياسات النظام والمرشد خامنئي، وحذروا صراحة من سقوط النظام الإيراني لأسباب عديدة أهمها التدخلات الإيرانية الخارجية وتوريط إيران في الملفات الإقليمية، وانتشار الفساد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة وغيرها، وتتسع حاليا ظاهرة انتقاد سياسات خامنئي بين شخصيات ورموز سياسية وأعضاء في مجلس الشورى، إذ انتقد النائب في البرلمان الإيراني “جليل رحيمي جهان أبادي” السياسية الخارجية لبلاده، قائلا: سياسة إيران الخارجية لديها كثير من التكاليف غير الضرورية، ويمكن أن تتركنا مشلولين في شوارع طهران”، مطالبا بإزالة التكاليف غير الضرورية من إنفاق البلاد، والتي يقصد بها تكاليف التدخلات الإيرانية في المنطقة، مستشهدا بالاتحاد السوفيتي السابق الذي تفكك في نهاية حكمه، بالرغم من امتلاكه لرؤوس حربية نووية.

ما سبق يعتبر مؤشرا واضحا على هبوط مكانة المرشد في المجتمعات الإيرانية، وفقدان قاعدته الشعبية، وارتفاع سقف الجرأة ضد النظام، و فشل الحرس الثوري في منع الشعب والمعارضين للنظام من تجاوز الخطوط الحمراء وكسر المحرمات.

تصاعد حالة “معارضة سياسات النظام وإيديولوجياته الحاكمة” في عام 2019

ونظرا لعدم وجود أي مؤشر على نجاح النظام أو تمكن أجهزته ومؤسساته من معالجة تصاعد حالة “معارضة سياسات النظام وإيديولوجياته الحاكمة” في الأوساط الإيرانية، وميول الطبقة المثقفة والرموز السياسية والنشطاء إلى الدفع بهذه الحالة إلى الإمام، فإنه من المتوقع أن يبرز مزيدا من التوجهات والتيارات السياسية والفكرية غير المنسجمة مع معتقدات النظام في المرحلة القادمة، ومن ثَم تصعيد أساليب المواجهة مع الباحثين والخبراء الجامعيين، الذين يحملون آراء تتباين عن الأيديولوجيا الحاكمة، والسياسات الرسمية للدولة، وهو ما سيواجهه النظام تحت مظلة اختراق الأعداء للدوائر والمؤسسات الحكومية الإيرانية والتجسس عليها، كما حدث في موضوع كاوه مدني، الخبير المعروف في قضايا البيئة، أستاذ كلية لندن الإمبراطورية، الذي عين في سبتمبر 2017 بعد عودته إلى إيران مساعدا لرئيس منظمة حماية البيئة الإيرانية للشؤون الدولية، غير أنه في نهاية المطاف وخشية أن يتهم بالنفوذ غادر إيران في أبريل الماضي بسبب مخاوف من توريطه أمنيا في إيران بعد قيام الأجهزة الأمنية بالتحقيق معه والضغط عليه واستجوابه، وما أثاره أيضا موضوع  اعتقال “كاووس سيد إمامي” المواطن الإيراني الكندي، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة الإمام الصادق، والذي مات في اليجون الإيرانية وقالت السلطات أنه قد انتحر.

هذا يشير أيضا إلى أن هذه المواجهات التي يمارسها الحرس الثوري ضد الجامعيين والمفكرين وطلاب الجامعات، سوف تتم بطرق ملتوية كالاتهام بالتجسس والاختراق واتباع طرق ناعمة لإسقاط النظام، وخاصة أنه نجح في مواجهة عدد منهم ولديه خبرة في التعامل مع هذه الطبقة، مثل ما حصل مع عباس عدالت، أستاذ الرياضيات في جامعة لندن الإمبراطورية، وأُميد كوكبي، الباحث في فيزياء الليزر في جامعة تكساس،وكاميار وآرش علائي، وهما خبيران إيرانيان أميركيان في مرض الايدز، وهالة اسفندياري، المديرة السابقة لبرنامج الشرق الأوسط، في مركز وودرو ويلسون الأميركي، وهُما هودفر الأستاذة الإيرانية الكندية في علم الإنسان، وكيان تاج بخش، الباحث الإيراني الأميركي في مجال تخطيط المدن، رامين جهانبغلو، الفيلسوف الإيراني – الأميركي، وغيرهم.

وهذا يدل صراحة على وجود برنامج ومخطط لدى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية يستهدف مزدوجي الجنسيات، أي من يحملون جنسية إيرانية وأخرى غربية، بتشديد الرقابة عليهم وتقييد تحركاتهم وأنشطتهم داخل إيران، لتخوف النظام من اختراق المؤسسات الحكومية والنافذة وأصحاب القرار من قبل القوى الغربية كخطوة لإسقاط النظام الإيراني بطرق ناعمة، ما يعني أن مثل هذه المواجهات سوف تتصاعد في المرحلة القادمة بكل تأكيد، وذلك لارتباطها إلى حد بعيد بتصاعد الضغوط الخارجية على الحكومة الإيرانية من جهة، وتطور الاحتجاجات الداخلية من جهة أخرى، وهو ما ستعاني منه إيران في المرحلة القادمة.

أزمات خارجية متصاعدة وعزلة متزايدة فاقمت من حدة المشاكل الداخلية

خارجيا أعلنت الولايات المتحدة عودة العقوبات وتشديدها على طهران، لا سيما العقوبات المتعلقة بتصدير النفط والتي تهدف إلى تصفير صادرات النفط الإيرانية، وأيضا المتعلقة بالتعاملات المالية والمصرفية، والتي تهدف إلى عزل إيران ماليا عن العالم، فضلا عن أن الاتحاد الأوروبي أعلن أيضا فرض عقوبات جديدة على طهران بسبب برنامجها الصاورخي ومحاولة أجهزتها الاستخباراتية تنفيذ اغتيالات وأنشطة إرهابية في دول أوروبية، واتهام إيران بالتجسس ومخالفة الأعراف الدبلوماسية، والتي طردت بسببها ألبانيا السفير الإيراني وبعض الدبلوماسيين الإيرانيين من أراضيها.

أضف إلى ذلك فقد تزايدت معدلات توتر العلاقات بين إيران ودول الجوار وخاصة العربية، وتعرضت الدبلوماسية الإيرانية لضربة كبيرة بإعلان عدد من الدول قطع علاقاتها مع إيران، كالمغرب والتوتر في العلاقة مع الجزائر وموريتانيا وبعض الدول الإفريقية، لتضاف هذه الدول إلى قائمة طويلة من الدول التي قطعت أو خفّضت العلاقات الدبلوماسية مع طهران.

نتيجة لما سبق، مضاف إليه تفشي الفساد في إيران، وهدر الكثير من الأموال في الملفات الإقليمية، فقد ارتفعت معدلات الفقر والبطالة والتضخم وأسعار السلع والخدمات وغيرها، وتعرضت العملة الوطنية لضربة موجعة خسرت على أثرها أكثر من 70% من قيمتها، ما فتح الأبواب لتضمر واستياء شعبي كبير قد يتحول إلى مظاهرات واحتجاجات.

النتيجة بواقعية

في مقارنة بين حجم المشاكل والأزمات الداخلية الخارجية التي تعرض لها النظام الإيراني، وبين حجم الضغوط والخسائر التي تعرض لها النظام على الصعيد الشعبي الداخلي والتعاون الدولي الخارجي، فإنه يمكن القول أن الأزمات كانت عاصفة وقوية، ضاعفت من الضغوط الداخلية والخارجية على النظام الإيراني، ما يعني أن السلطات الإيرانية قد فشلت في إدارة الأزمات وإقناع الشعوب الإيرانية بحسن إدارتها للأمور، وتطبيع الداخل على الأزمات التي جلبتها العقوبات كطريقة وحيدة قد لجأ إليها النظام لمواجهة العقوبات.

2019 سيحمل معه مزيدا من الضغوط

وما هو متوقع في عام 2019، وبناء على رصد وتحليل كافة المعلومات والأوضاع بحقيقتها، فإن الحكومة الإيرانية ستعاني مزيدا من الضغوط، وسيتعرض النظام الإيراني لمزيد من الانتقادات.

والأزمات والمشاكل سوف تستمر في منحناها التصاعدي، خاصة بعد تقليص الميزانية الجديدة للعام الإيراني القادم (يبدأ من 21 مارس المقبل) بمعدل يقارب 50% نظرا لسعر العملة المحلية، حيث أظهرت تفاصيل هذه الميزانية وجود سياسة تقشفية حادة في القطاعات الخدمية، بينما تزايدت حصة المؤسسات الموازية، وعلى رأسها الحرس الثوري، وذلك مقارنة بالعام السابق، هذا في ظل ارتفاع غير مسبوق للأسعار، وصل في بعض المناطق إلى قرابة 45%، وزيادة في معدلات التضخم العام 40% وارتفاع أعداد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر، لتصل وفقا لتصريحات رسمية إلى 50%.

ومن المتوقع، أن تستمر مؤشرات الأزمات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية بالصعود على وتيرتها الحالية مع اشتدادها في حلول مارس المقبل، الموعد النهائي للدول المستثنية من العقوبات الأميركية لوقف استيرادها النفط الإيراني، وهو ما سيكون له تأثير كبير على تفاقم كافة الأزمات الداخلية والخارجية أمام النظام الإيراني، وإذا ما حدث ذلك بالفعل، واستغنت هذه الدول عن النفط الإيراني خشية تعرضها لعقوبات أميركية، فإن موارد البلاد ستنخفض تدريجيا مع إستكمال حصول إيران على عوائدها النفطية من الدول التي ابتاعتها النفط، وهذا سيؤثر كثيرا على النمو الاقتصادي للبلاد مع ارتفاع معدلات البطالة إلى أكثر من 35%، والفقر إلى نحو 70%، وسيصل معدل التضخم إلى أرقام قياسية لم يشهدها من قبل تزيد عن 50%، الأمر الذي ستتفاقم معه الأزمات الاجتماعية والأمنية مثل السرقات والفساد والتشرد والعكوف عن الزواج وغيرها.

دوافع لمزيد من التظاهر والاحتجاجات

ما سبق سيزيد غليان الشارع الإيراني، ويفرض ضغوطا أمنية على النظام، ولا شك ستمنح حالة الاستياء والغضب العام من تدهور الأوضاع الاقتصادية، فرصة للمعارضة والقوى السياسية الإصلاحية والنشطاء الحقوقيين والنقابات والقوى الشبابية، لدمج مطالبها لممارسة مزيد من الضغوط على النظام.

متغيرات هامة على المشهد السياسي الداخلي

ومن الواضح أن أدوار الحرس الثوري وصلاحياته سوف تتزايد في المستقبل القريب،  لأن دوره مهم في ظل الأزمة الداخلية والخارجية التي يعاني منها النظام الذي يعول عليه بصورة أساسية في السيطرة على الأوضاع في الداخل، كما سيعول عليه في مخططات وبرامج التغلب على العقوبات الأميركية والأوروبية التي قد تفرض بأي وقت، ولا سيما العقوبات النفطية والعقوبات على القطاع المالي، وهذا سيوسع من دور الحرس الثوري وصلاحياته ليس على حساب الإصلاحيين فحسب، بل وعلى حساب الأصوليين كذلك.

وفي حالة وفاة خامنئي الذي يعاني من مشاكل صحية حقيقية، في هذا العام، فإن الحرس الثوري قد يسارع إلى ملء الفراغ السياسي، والقفز إلى السلطة عبر انقلاب عسكري ناعم، يجرى من خلاله إبراز “شخصية دينية أودينية سياسية” (وقد تكون مجتبى خامنئي أو إبراهيم رئيسي أو آملي لاريجاني) لخلافة خامنئي، والذي طبعا سيكون مقاد من قبل الحرس الثوري ولكن من خلف الأبواب، وهو ما سيزيد من الخلافات والانقسامات الداخلية لا سيما بين التيار الإصلاحي وحكومة روحاني من جهة، والتيار المتشدد والحرس الثوري من جهة أخرى.

خضوع سياسات إيران الإقليمية لتوجهات الحرس الثوري

ولكن الأهم من ذلك هو السلوك الإيراني إقليميا، فإنه نظرا لتوجهات الحرس الثوري الراديكالية، فإن الأزمات الإقليمية مرشحة للتفاقم بكشل أكبر، وبخاصة في رفع ميزانية الحرس الثوري المتزايدة، إضافة إلى وجود موارد مالية أخرى تبقى سرية يحصل عليها الحرس الثوري من أكثر من جانب، فلا يزال النظام الإيراني يعول على نفوذه في الإقليم كورقة ضغط من أجل مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ومن ثمّ قد يزيد من استثماراته في حروب الوكالة عبر ميليشياته، لإرباك المشهد وإشغال السعودية وحلفائها بحروب وأزمات مع المحافظة على بقاء المعركة خارج الحدود.

مخططات إيرانية محتملة وبرامج واضحة

ومن غير المستبعد، أن تسعى إيران إلى إشعال حروب واقتتال في مناطق جغرافية حساسة بعيدا عن حدودها كرد على سياسات وعقوبات الولايات المتحدة الرامية إلى تصفير الصادرات الإيرانية النفطية، وقد يكون باب المندب وخطوط الملاحة البحرية لناقلات النفط من بين هذه المناطق.

ومع هذا وذاك، فإن الرؤية الإيرانية في علاقاتها الخارجية خلال العام القادم أصبحت واضحة بإعلان وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف عدم انتظار بلاده لآلية الاتحاد الأوروبي التي تشمل قناة مالية للتعامل مع إيران بهدف التحايل على العقوبات الإيرانية، وتأكيده بأن إيران ستتجه إلى تعزيز وتوسيع علاقاتها وتعاوناتها مع دول الشرق وخاصة مع الهند والصين ورسيا.

لذا فإن إيران لم يعد أمامها لمواجهة العقوبات الأميركية وما أنتجته من عزلة وأزمات، سوى توسيع علاقتها أكثر فأكثر مع الهند والصين وروسيا ودول آسيوية أخرى، مع تكثيف برامج وخطط مواجهة العقوبات الأميركية في الداخل، وإعداد برامج حكومية تكفل على أقل الاحتمالات إدارة الأزمات لا مواجهتها وصد تأثيرها، فالمسؤولين في إيران يدركون تماما أن لا طاقة لإيران في صد تأثير السياسات الأميركية التي خلقت حظرا عالميا ضد إيران، وأن الطريقة الأفضل للصمود والحيلولة دون سقوط النظام هو إدارة الأزمات، والسعي بكافة الطرق والوسائل المتاحة إلى تطبيع الداخل الإيراني وأقلمته مع الأوضاع الراهنة والأزمات الناتجة عن العقوبات الأميركية.

وسيكون ذلك من خلال، تأمين الأموال اللازمة لتوفير السلع والحاجات الأساسية للمواطن الإيراني، مع رقابة أمنية وإعلامية شديدة على المواد المنشورة في الفضاء الإلكتروني لإيران تحول دون الترويج لبروز ظواهر مثل المجاعات وعدم توفر السلع الأساسية، وتوجيه الحكومة والسلطات القضائية إلى الإعلان عن مزيد من النتائج المتعلقة بمكافة الفساد ومحاكمة بعض المفسدين، والتركيز على التحايل على العقوبات الأميركية في استمرار تصدير النفط الإيراني عبر ناقلات لا تحمل أي هوية إيرانية أو تخزين ملايين البراميل من النفط في جهات مجهولة لبيعها فيما بعد لمشتريين تقليديين لإيران ضمن اتفاقيات سرية يديرها الحرس الثوري، إضافة إلى وجود نوايا إيرانية باستخدام أشخاص وشركات غير إيرانية في علاقاتها وتعاملاتها التجارية والاقتصادية مع دول العالم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

20 يناير 2019