بعد أن كانت الزيارات الرسمية التي يقوم بها قادة النظام القطري إلى دول العالم تحظى باهتمام كبير من الدول المستقبلة ووسائل إعلامها المحلية، ويكون لها وقع مهم على وسائل الإعلام الأجنبية، أصبحت هذه الزيارات لا تحظى بأي اهتمام سياسي أو حتى إعلامي، لدرجة إنقلبت فيها رأسا على عقب، وتعرض فيها قادة تنظيم الحمدين وعلى رأسهم الشيخ تميم بن حمد إلى إهانات كبيرة وعلى مرأى الجميع، حيث تعرض الأمير القطري في زياراته الأخيرة إلى تجاهل وإهمال من قبل قادة الدول المستضيفة.

عدة مواقف محرجة ومهينة قد تعرضت لها قيادات تنظيم الحمدين في زياراتهم الأخيرة التي أجروها لعدد من دول العالم، وحتى في الدول التي تعتبر صديقة وحليفة لقطر،  فخلال حفل أردوغان وقف الأمير تميم فى طابور طويل إلى جانب دبلوماسيين وسفراء ينتظر دوره لمصافحة أردوغان، ما دل على مدى الإهانة التى تعرض لها فى الحفل، حيث جرت العادة بروتوكوليا أن يجتمع الرئيس بنظيره لالتقاط الصور التذكارية أو مصافحته إلى جانب رؤساء الدول والملوك ورؤساء الحكومات، بينما انتظر تميم وقتا طويلا وسط الدبلوماسيين أو الوزراء لمصافحة أردوغان، كما تعرض تميم إلى موقف مهين آخر عندما أجلسوه الأتراك في مكان مهمش أثناء إلقاء أردوغان خطاب التنصيب بالمجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة، حيث جلس في نهاية الصف الأول، وتقدمت عليه وفود دول ضمت وزراء ودبلوماسيين أقل منه في المناصب، و أثناء دخوله إلى القصر الرئاسي الذي ألقى فيه الرئيس أردوغان الخطاب، لم يكن في استقباله أحد من المسؤولين الأتراك، فبروتوكوليا يتم إجلاس المدعوين عبر متخصصين في البروتوكولات، غير أن الأمير تميم عومل من قبل إدارة الحفل كأنه دبلوماسي عادي.

وفي جولته الأفريقية التي أجراها عام 2017، تعرض الأمير القطري والمرافقين له لإهانة كبيرة في جنوب أفريقيا، بعد أن قام الرئيس “جاكوب زوما” بإعادة  ترتيب جدول لقائه مع أمير قطر الشيخ تميم بن حمد، حيث أثارت هذه التغييرات في موعد اللقاء غضب أعضاء الوفد القطري الذي أصيب بالإحباط بسبب إهانتهم وسوء معاملتهم والتقليل من شأنهم، خاصة أنه تم تغيير موعد الزيارة أكثر من مرة، وهو ما أثار إحباط الوفد القطري.

واستمرار لمثل هذه الفضائح، كان الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” قد رفض هدايا تميم بن حمد أمير قطر أثناء زيارته إلى فرنسا، والتي هدفت إلى محاولة تلميع صورة الدوحة في الخارج، وأثناء زيارته إلى  لندن أيضا، استقبل الأمير القطري بلافتات تدين إصرار نظام الدوحة على دعم وتمويل الإرهاب بكافة أوجهه، وخرج ناشطون إلى شوارع العاصمة البريطانية رافعين الصوت عاليا ضد إرهاب الدولة الذي تنتهجه الدوحة على كافة الأصعدة، وكشفت هذه المظاهر عن وجود دعم حكومي غير مباشر لهؤلاء المعارضين لسياسات تنظيم الحمدين، ما اعتبر ذلك إهانة أخرى للأمير القطري تضاف إلى مئات الإهانات التي واجهها في الفترة الأخيرة، لا سيما وأن شوارع لندن عجت بأصوات المتظاهرين الذين تنوعت شعاراتهم، من المطالبة باعتقاله لدعمه للإرهاب إلى التنديد بهذه الزيارة، التي اعتبرها البعض محاولة يائسة للنظام القطري للخروج من أزمته.

وكانت تظاهرات أيضا قد اندلعت أمام البرلمان الإيطالي احتجاجا على زيارة الأمير القطري لإيطاليا، بسبب تمويله الإرهاب ودوره في بث الفوضى بالمنطقة، حيث رفض الإيطاليون زيارة تمم بن حمد إلى بلادهم، وانطلقت تظاهرات واسعة سبقت زيارته  المشبوهة إلى روما، و تجمع المئات أمام مجلس النواب الإيطالي رفضا لاستقباله، ورفعوا لافتات تذكر وتشير إلى الدعم القطري للإرهاب فى أوروبا، وندد المتظاهرون بانتهاكات الدوحة لحقوق الإنسان وقمع المعارضة، ودعوا لإلغاء الزيارة وعدم فتح أبواب قصر كيرينالي الرئاسي لأمير قطر الإرهابي.

وفي زيارته الأخيرة إلى روسيا، تعرض الأمير القطري والوفد المرافق له إلى تهميش وعدم اهتمام من قبل الرئيس الروسي فلادمير بوتن، ولم يتمكن الوفد القطري من عقد لقاءات مع مسؤولين مهمين في موسكو، ما جعل العديد من المتابعين يصفون هذه الزيارة بأنها فاشلة من كافة النواحي.

وكان تميم بن حمد أيضا قد أجري في عام 2017 زيارة رسمية لعدة دول آسيوية، منها ماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا، ووصفت جميعها بأنها فاشلة، ولم تحقق أي من أهداف الدوحة في فك العزلة ومحاولة تجميل صورة تنظيم الحمدين، حيث كان الاستقبال فاترا ومنخفض التمثيل وانتهت الزيارات دون عقد لقاءات مهمة أو التوقيع على اتفاقيات كما يجري في العادة.

وفي جولته الآسيوية الحالية أيضا، لوحظ بوضوح عدم اهتمام كوريا الجنوبية واليابان بزيارة الوفد القطري، حيث حظي الأمير القطري باستقبال منخفض للغاية، وأرسلت “سول” وزير المحيطات والثروة السمكية و”طوكيو” نائب وزير الخارجية لاستقبال زعيم دولة في زيارة رسمية في إجراء غير معتاد مع زعماء الدول الضيوف، فالاستقبال الفاتر الذي استقبل به الأمير القطري، وعدم استقباله من قبل قادة دولتي كوريا الجنوبية واليابان، دل دلالة واضحة على عدم اهتمام قيادات البلدين بهذه الزيارة، وأنها فقط سمحت للأمير القطري بزياتها من باب دبلوماسية العلاقات وليس لأجل إضفاء أي أهمية سياسية لقطر، وأن هناك قناعة كاملة لدى سول وطوكيو بأن الدوحة ليست على صواب، وعليها الحوار مع الرباعي العربي والاستجابة لكافة المطالب، وأنها متورطة بالفعل في دعم الجماعات الإرهابية، وسياساتها قائمة على الرشاوي والعمل الاستخباراتي والمال السياسي، وهو ما لا يتفق مع سياسات المجتمع الدولي، والاستقبال منخفض التمثيل هذه من قبل مثل هذه الدول، يعتبر علامة إستياء واضحة ومباشرة من قبل حكومات وقيادات هذه الدول من سياسات الدوحة ودعمها للإرهاب وارتمائها في أحضان إيران والإخوان.

حتى أعلاميا لم تثر زيارات تميم اهتمام وسائل الإعلام الحكومية والخاصة في كوريا الجنوبية واليابان، حيت تجاهلت هذه الزيارة ولم تولها أي اهتمام يذكر سوى القليل من الأخبار والإشارات.

وفي الصين، تعرض تميم أيضا إلى تحجيم وإهانة أخرى، حيث استقبله، مساعد وزير الخارجية الصيني وسفير دولة قطر لدى الصين، والسفير الصيني لدى دولة قطر، وهو استقبال يعرف دبلوماسيا بأنه منخفض المستوى ولا يليق باستقبال وزير، لتخفض الصين من مستوى الأمير القطري بإرسالها مسؤول بمرتبة مساعد وزير وذلك بعد استقبال فاتر ومنخفض من وزير الثروة السمكية في كوريا الجنوبية ثم نائب وزيرة خارجية اليابان.

ولهذا السقوط السياسي للدوحة أسباب ودلالات عديدة، أهمها مقاطعة الرباعي العربي لقطر وإصرار تنظيم الحميدن على دعم الإرهاب والسياسات التخريبية ورفضه الاستجابة للمطالب العربية المشروعة، ما أزاح اللثام عن الوجه الحقيقي للنظام القطري، وعرى سلوكه أمام العالم أجمع، فأصبحت قطر غير مرغوب فيها إقليميا ودوليا.

 كذلك فإن خروج قطر فعليا عن منظومة مجلس التعاون الخليجي التي كانت مصدر قوتها وعزتها وتأثيرها في العالم، وارتمائها في أحضان النظام الإيراني والتنظيم الإخواني المصنفان الأكثر دعما للإرهاب في العالم، وضع تنظيم الحمدين في موقع سيء للغاية، وأصبح العالم ينظر إلى قادة النظام القطري بأنهم عصابة تمارس الإرهاب والسياسات التخريبية تحت غطاء الدبلوماسية والعلاقات التجارية والاقتصادية.

ومن الأسباب الأخرى، أن هذه الزيارات لا تحمل أي جديد، وهدفها تلميع صورة الدوحة بعد سيل الأدلة والإثباتات على إرهابيتها، كما أن دول العالم لا تريد أن تخسر علاقاتها مع دول وقوى لها تأثيرها الإقليمي والعالمي وعلى رأسها السعودية والإمارات ومصر وغيرها من أجل منح تنظيم الحمدين الفرصة لأجل إجراء عمليات تجميل لأوجه سياساته الإرهابية.

وتعتبر هذه الزيارات التي انخفض تمثيل استقبالها السياسي والدبلوماسي كثيرا بعد المقاطعة، هي نوع من هروب تنظيم الحمدين إلى الأمام، ومؤشر واضح على ضعف الدوحة وزيادة عزلتها وسعيها إلى فك هذه العزلة وتجميل صورتها أمام العالم من خلال إجراء مثل هذه الزيارات، ولا سيما أن تنظيم الحمدين قد شعر بأنه فقد شرعيته بالفعل، فأراد من هذه الزيارات أن يضفي شرعية على حكمه للدوحة.

ويهدف أيضا تنظيم الحمدين من مثل هذه الزيارت المهينة أن  يظهر أنه ليس بحاجة للدول العربية والخليجية، بحيث يمكن استبدالها بدول أخرى أوروبية وآسيوية ولاتينية، كما يريد أن يقول أن مقاطعة الدول العربية له لا يثبت إرهابية الدوحة، والدليل أن عددا من الدول الغربية والشرقية لا تزال تستقبل قيادتها.

وفي الحقيقة، أن هذا النمط من الاستقبال الذي حظي به تميم في زياراته الخارجية بعد المقاطعة يشير إلى أن دول العالم تدعم سياسات الرباعي العربي تجاه قطر، وترى أن تنظيم الحمدين يسير في الاتجاهات المعاكسة للمصالح الإقليمية والعالمية بدعمه للإرهاب واصراره على السياسات التخريبية، كما يدل أيضا على أن النظام القطري لم يعد له ثقل سياسي في العالم، وزياراته للدول ليس لها أي قيمة تذكر، بعد أن كشف العالم أجمع حقيقة هذا النظام وافتضحت أهدافه وتعرت سياساته.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

31 يناير 2019