إن الجدوى من سياسات إيران الخارجية وتدخلاتها الإقليمية هي الموضوع الأهم والأكثر طرحا في الرأي العام الإيراني، والسؤال حول نتائج تلك السياسات الأكثر تداولا بين المواطنين الإيرانيين في الوقت الراهن، وفيما تعجز السلطات الإيرانية عن تقديم تفسير أو إجابة واضحة لفشلها في إدارة البلاد، تتصاعد حالة تراشق الاتهامات بين المسؤولين وتتزايد الانقسامات بين التيارات السياسية، في مشهد ضاعت فيه هيبة الحكومة وصعدت مؤسسات موازية لها تدير البلاد سياسيا واقتصاديا وأمنيا من خلف الأبواب المغلقة.

خلافات وانقسامات تتزايد في الداخل الإيراني حول العديد من المواضيع ذات الأهمية والمصيرية، أبرزها: كيفية إدارة الشؤون الداخلية والسياسة الخارجية للبلاد، وانضمام إيران إلى معاهدات مجموعة العمل المالي FATF، وحول تمسك إيران في الاتفاق النووي مع الدول الأوروبية، وفيما يتعلق بالشخصية الدينية والسياسية التي ستخلف المرشد علي خامنئي بعد رحيله، وصلاحيات مؤسسات الحرس الثوري واصطدامها مع مهام وصلاحيات المؤسسات الحكومية، والانقسامات حول تداخل مهام وصلاحيات مؤسسات الجيش مع مؤسسات الحرس الثوري، وكذلك مهام وزارة المخابرات مع مهام جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري، وخلافات كبيرة بين أجنحة السياسة الإيرانية حول المناصب الحساسة والنافذة في الدولة.

وهذه الاختلافات الحادة في الأنظمة الدكتاتورية هي أمر شائع ومعروف ولا بد من وجودها، والتي عادة ما تؤدي إلى تقييد وتجميد وعرقلة السياسات الحكومية وتعطيل أهم وظائف المؤسسات الحكومية وهي صناعة وصياغة السياسات العامة وتنفيذها بما يضمن مصالح الدولة ومواطنيها، وهي المشكلة الأساسية التي تعاني منها إيران حاليا، بسبب جمود السياسات العامة لإيران الموروثة من عهد المرشد الأول الخميني ويقوم عليها بنيان النظام الإيراني، وفي حال تم إجراء أي تغيير عليها فإن ذلك سيؤدي إلى إنهيار النظام.

تعرف السياسات العامة للبلاد بأنها سلوك حكومي يتضمن قواعد وأفكار وإجراءات تلتزم الحكومة بتطبيقها وممارستها بما يضمن تحقيق مصالح الدولة والشعب، ويتم صياغتها وتجديدها وفقا لمتطلبات العصر وما تفرضه الأحداث السياسية والتطورات المحلية والإقليمية والعالمية بما يضمن المصالح الوطنية وتجنيب البلاد أي مخاطر أو أزمات.

وهذا التعريف لا ينطبق على أنظمة دكتاتورية كما هو الحال في إيران، والتي تعاني سياسات البلاد فيها الموروثة من الخميني إلى الخامنئي، من جمود شديد لا يمكنها من التماشي مع متطلبات العصر وتطورات الأحداث، حيث تتعارض سياسات الأنظمة الدكتاتورية مع أهم صفة للسياسات العامة الهادفة لأي دولة، وهي الليونة والدفع نحو مواكبة العصرنة وتطوير العقلية السياسية والسلوكية في التعامل مع المستجدات المحلية والإقليمية والعالمية.

وفي الحقيقة، فإن إيران كدولة عانت كثيرا بعد مجيء النظام الحالي من مشكلة عدم القدرة على صنع سياسات عامة تتوافق مع المصالح الوطنية، وتحظى بدعم شعبي واجتماعي وتوافق سياسي وعسكري، ما جعل هذه السياسات تفتقد أي مساندة شعبية تمنحها شرعية، بل أصبحت الصفة البارزة لسياسات إيران العامة هي التخبط والاعتماد على الأنشطة السرية والسلوك الخفي والتدخلات الخارجية، بهدف الابتعاد عن الحاجة لأي توافق سياسي أو مساندة شعبية، لأن صناع القرار في إيران يدركون جيدا أن هذه السياسات مرفوضة شعبيا ولا تحظى بأي توافق سياسي.

لذا فلا وجود لأي توافق شعبي أو سياسي على الأفكار والسياسات والاجراءات التي يتخذها النظام الإيراني على الصعيد الداخلي والخارجي، الأمر الذي أدى إلى اشتداد الانقسامات والخلافات لدرجة تحولت فيها اهتمامات ومهام وتفكير المسؤولين في إيران من العمل لمصلحة الوطن إلى العمل للمصالح الشخصية والحزبية والفئوية، وهي المشكلة الأساسية التي تعاني منها إيران حاليا والتي تسببت في عزلة إيران إقليميا وعالميا وفاقمت الأزمات والمشاكل التي يعاني منها الداخل الإيراني.

وفي مثل هذه الظروف السياسية التي تشهدها إيران، تضاءلت الثقة برجال السلطة والمسؤولين، وتدار الأمور بطريقة غلب عليها طابع التخبط والإرتجال، وأصبحت أكبر مشكلة تعاني منها إيران هي سوء إدارة الحكومات والنظام للشؤون الداخلية والخارجية للبلاد.

 مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 فبراير 2019