في هذه الفترة القاتمة من التاريخ العربي، الموسومة بتنامي حركات جهادية وتفكيرية عنيفة ومتشددة مثلما هو الحال في عصور الانحطاط، يسعى البعض من المثقفين والمفكرين العرب إلى أن يبحثوا في الأسباب والعوامل التي أدّت إلى انتكاسة حركة النهضة العربية التي برزت في منتصف القرن التاسع عشر مُشيعة في العديد من البلدان العربية والإسلامية رغبة وطموحا في العمل على الخروج من عصور الانحطاط والجهل والتخلف والاستبداد السياسي. والتونسي الدكتور زهير الذوادي الحاصل على دكتوراه دولة من جامعة السربون الفرنسية، والذي تقلد العديد من المناصب السياسية الرفيعة، واحد من هؤلاء.

 وخلال السنوات الماضية، أصدر كتبا حرص فيها على الانتصار للمصلحين الكبار، معرفا بهم وبأفكارهم وأطروحاتهم حول مختلف القضايا السياسية والفكرية منها بالخصوص. وهذا ما فعله مع المصلح التونسي الكبير الشيخ عبدالعزيز الثعالبي، ومع الشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال على سبيل المثال لا الحصر. وفي نهاية عام 2018 أصدر الذوادي عن دار “نقوش عربية” كتابا جديدا حمل عنوان “المشروع الإصلاحي العربي-تشريح أزمة البدايات”. وفي هذا الكتاب الكبير الحجم، والذي يستند إلى المئات من المراجع العربية والأجنبية، يقدم قراءة معمقة ورصينة للأسباب والعوامل التي أدت إلى فشل حركة النهضة العربية من خلال أطروحات الفاعلين فيها سواء كانوا من المشارقة أم من المغاربة.

وفي البداية يشير زهير الذوادي إلى أن العامل الأساسي الذي كان حاسما في بروز حركة النهضة العربية هو الصدمة مع الغرب. وهي صدمة حدثت عندما غزا نابليون بونابارت مصر. وقد أعقبت تلك الصدمة رحلة العشرات من المثقفين السوريين واللبنانيين والتونسيين إلى فرنسا تحديدا. والنتيجة الأولى لتلك الرحلة هي أن أولئك المثقفين أصيبوا بالذهول أمام مظاهر حضارة صناعية وفكرية، وأمام نظم سياسية بدأت تنزع إلى الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وحال عودتهم، شرع أولئك المثقفون في نشر أفكارهم الإصلاحية مطالبين بإصلاح المؤسسات السياسية لإنهاء السيطرة المطلقة للأنظمة المستبدة، وبنشر التعليم، وإصلاح مناهجه وبرامجه، وبتحديث اللغة العربية وتخليصها من التحنّط لكي تكون قادرة على التعبير عن نغمة العصر، وبمقاومة كل مظاهر التزمت والانغلاق الديني بالخصوص.

ومع بداية القرن الماضي، توسع تأثير حركة النهضة، ولم يعد منحصرا في النخب المثقفة. وشيئا فشيئا بدأت المجتمعات العربية تستفيق من سباتها المديد، وتتحرك لكي تستفيد من التحولات الكبرى العلمية والصناعية والسياسية والثقافية.

ورغم أن الحركات السياسية والثقافية والفكرية التي ولدت من رحم النهضة لم تتسلح بالنقد الراديكالي خصوصا في ما يتعلق بالمسائل الدينية والفقهية، وفصل الدين عن الدولة، مثلما كان الحال مع فلاسفة الأنوار قبل اندلاع الثورة الفرنسية في عام 1789، فإن رموز السلفية وشيوخ التزمت والانغلاق سرعان ما انتفضوا للحد من تأثيرات الأفكار والأطروحات الجديدة التي جاء بها رموزها. وقد اعتمد هؤلاء الشيوخ في ذلك على عدة عوامل منها أن المجتمعات العربية كانت لا تزال غارقة في ظلمات الجهل والتخلف.

 بالإضافة إلى ذلك، ساهمت هيمنة كل من فرنسا وبريطانيا على العديد من البلدان العربية في تذكية الأحقاد والضغائن الموروثة عن الحروب الصليبية، ليصبح كل محرض على نهضة تقوم على أطروحات وأفكار ومناهج قادمة من العرب المسيحي “عميلا” متنصلا من هويته العربية الإسلامية.

وهذا ما حدث مع طه حسين عندما نشر كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” وكتابه الآخر “مستقبل الثقافة في مصر”، ومع علي عبدالرازق عندما نادى بضرورة فصل الدين عن الدولة، ومع مصلحين آخرين انتصروا لحرية المرأة، وطالبوا بالتعددية الفكرية والسياسية، وانحازوا إلى الاجتهاد من أجل إصلاح ديني يحد من التشدد ومن الانغلاق. أما المتشبثون بالسلفية الدينية فقد نصبوا أنفسهم “حماة للدين” و”الهوية العربية-الإسلامية”، وأجازوا لأنفسهم تكفير خصومهم، بل وحثوا على قتلهم، ومن أعلى المنابر السياسية والدينية أهدروا دمهم.

وبعد زوال الاستعمار، وانتصاب حكومات وطنية، ظن دعاة التقدم والتطور والعقلانية أن الأنظمة المذكورة ستوفر لهم الأدوات والمناخ لكي يعمقوا ثورتهم الفكرية والثقافية بهدف ترسيخ أفكارهم ومبادئهم في مجتمعات عربية متخلفة، ولكن الأنظمة الجديدة كانت لهم بالمرصاد. ورغم أن تلك الأنظمة كانت تتباهى بأنها “علمانية” و”تقدمية” و”اشتراكية”، فإنها كانت تتصرف مع النخب ومع الشعوب بنفس الأساليب التي تميزت بها الأنظمة الاستبدادية في عصور الظلمات والانحطاط.

بالإضافة إلى ذلك، عمق الصراع العربي–الإسرائيلي الهوة بين الغرب وبين مختلف البلدان العربية ليصبح عاملا آخر من تلك العوامل التي ساهمت في انتشار الحركات الجهادية والتكفيرية بشكل لم يسبق له مثيل، وفي تحولها إلى وحركات سياسية خطيرة في المجتمعات العربية.

حسونة المصباحي

نقلا عن صحيفة: العرب. لماذا فشلت حركة النهضة العربية؟