بعد وصول الرئيس السوري بشار الأسد بشكل مفاجئ إلى العاصمة الإيرانية طهران في أول زيارة له بعد اندلاع الأزمة السورية، كانت وزارة الخارجية الإيرانية وعلى رأسها محمد جواد ظريف من بين المتفاجئين بهذه الزيارة، رغم أن مثل هذه الزيارات يجب أن تتولى وزارة الخارجية مسؤولية التنسيق والتنظيم لها، ما يعني تعمد تهميش وزارة الخارجية وشخصية محمد جواد ظريف وسلب مهامها وصلاحياتها من قبل مؤسسات موازية يديرها الحرس الثوري، وهو السبب الحقيقي من إعلان وزير الخارجية جواد ظريف عن استقالته يوم أمس بعد تفاجئه بزيارة الأسد ولقائه المرشد على خامنئي وعدد من المسؤولين الإيرانيين.

واللافت أن قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري كان مرافقا للأسد ومتواجدا معه في كافة لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين، ما يعني أن فيلق القدس وقائده سليماني قد تولى مسؤولية التنسيق والترتيب لهذه الزيارة غير المعلن عنها دون إبلاغ وزارة الخارجية، وهو ما أغضب ظريف ودفعه إلى تقديم استقالته على الفور.

وهذا الحدث يعتبر بمثابة “القشة التي قسمت ظهر البعير”، ودفعت بظريف إلى الإعلان عن استقالته بسبب ضياع قانونية السياسة الخارجية في إيران وتبعثرها بين مؤسسات متعددة، وفقدان وزارة الخارجية لمهامها وصلاحياتها وكرامتها، في ظل صعود فيلق القدس الذي أصبح يدير السياسة الخارجية العملية والتنفيذية لإيران، وكذلك الحال أيضا بالنسبة لإدارة الشؤون الداخلية للبلاد والتي تتولى مهامها مؤسسة الباسيج التابعة للحرس الثوري بدلا من وزارة الداخلية الإيرانية.

ولاستقالة ظريف مؤشرات على عمق حدة الانقسامات بين أجنحة السياسة وأصحاب القرار والمسؤولين في إيران، والتي تتصاعد بشكل ديناميكي يشير بوضوح إلى مواطن الخلل ونقاط النزاع، وأهم ما تشير إليه هو صعود التيار المتشدد والحرس الثوري ونفوذهما وسيطرتهما القوية على إدارة شؤون البلاد، مقابل سقوط متواصل لمهام ونفوذ وحتى شعبية الحكومة الإيرانية وأهم رموزها، وهذا ما كان ليحدث لولا موافقة وقبول المرشد الإيراني ونجله مجتبى خامنئي، الذي يعمل خلف الأبواب المغلقة لأجل توسيع دائرة سيطرة ونفوذ المتشددين والحرس الثوري في مؤسسات البلاد وإدارتها كأحد أهم خطوات مخطط وصوله إلى منصب المرشد بعد رحيل والده علي خامنئي.

كما وتعتبر استقالة ظريف في هذه الظروف الحساسة والخطيرة للغاية التي تمر بها البلاد، بمثابة بداية انهيار لحكومة روحاني، حتى وإن تراجع عنها ظريف، وبروز مؤشرات خطيرة على اندلاع نزاع سياسي يقسم البلاد إلى قطبين متنازعين ويؤدي إلى مزيد من الأزمات والمشاكل، والتي ستقود بكل تأكيد إلى احتجاجات ومظاهرات شعبية قد تتحول إلى انتفاضة ضد النظام بسبب اتساع رقعة الأزمات وتردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الداخل الإيراني.

وقد اضطر ظريف إلى إخفاء أسباب استقالته خوفا من ردة فعل الحرس الثوري، وتوجيه اتهامات له بإشعال الفتن والانقسامات من قبل السلطة القضائية التي يديرها حاليا أكثر رموز النظام الإيراني تشددا وهو إبراهيم رئيسي، والذي يسعى إلى الانتقام من الرئيس روحاني وفريق حكومته بسبب هزيمته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ولا سيما أن رئيسي كان قد أكد وجود تزوير وانتهاكات في هذه الانتخابات، وأشارت تصريحات رئيسي في عدة مواطن إلى وجود عداء يكنه تجاه حكومة روحاني.

ولإخفاء الأسباب الحقيقية، سارعت وسائل الإعلام الإيرانية وخاصة التابعة للحرس الثوري والتيار المتشدد إلى طرح أسباب وهمية لحراف الرأي العام عن الحقيقة، وذكرت أن الأسباب تكمن في عدم توصل مجمع تشخيص مصلحة النظام إلى أي نتيجة حول انضمام إيران إلى مجموعة العمل المالي الدولية FATF وباليرمو، وأيضا الضغوط الداخلية، وما تعرض له ظريف من إهانات واتهامات خلال الفترة السابقة من قبل المعارضين والنشطاء بسبب سوء إدارة حكومة روحاني لشؤون البلاد وفشلها في رفع العقوبات عنها، غير أن قوة ردود الأفعال الرسمية والشعبية على استقالة ظريف، قد تجعل الأخير يسحب استقالته، لكن هذا الحدث سوف يحول حالة النزاع بين حكومة روحاني والحرس الثوري إلى حالة عداء يسعى فيها كل طرف إلى الإنتقام من الطرف الآخر بكافة الطرق والأدوات، وهو ما سيجعل الأوضاع  تزداد سوءا في الداخل الإيراني.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

26 فبراير 2019