إن أكبر خطأ يرتكبه النظام القطري حاليا، هو ربط مصير الأزمة بينه وبين الدول العربية والخليجية، وهي أزمة مفتوحة الأبواب على مصراعيها لتسويات وحلول واقعية، بصراع إيران مع الدول العربية والإسلامية، والذي يعتبر صراعا وجوديا باقيا ما بقي النظام الإيراني الحالي، الذي وضع دستورا للبلاد يؤكد في العديد من مواده خاصة رقم (12، و144، و152، و154) على أن استمرارية النظام الحالي تقوم بالأساس على “بث الطائفية” باعتبار أن المذهب الوحيد الذي تعترف فيه إيران هو الدين الشيعي، وعلى “التدخلات في شؤون المنطقة” تحت أغطية دعم المظلوم ونصرة المستضعفين، والتي تعتبر واجبا قانونيا نص عليها الدستور الإيراني في أهم مواده.

والنظام القطري بهذا الربط المصيري، يكون قد وضع نفسه أمام متاهات من الصعب التنبؤ بنتائجها، غير أن الحماقة هي ربط مصير قطر كدولة وشعب بمصير الصراع بين إيران والدول العربية والإسلامية، ما يعرضها إلى استنزاف ممنهج من قبل إيران الطامعة، وعزلة دولية وإقليمية وعربية تخرجها عن السياق العام والمسير السلم الذي ينظم السياسات الخارجية والعلاقات بين الدول بشكل عام، وأيقن دليل على ذلك، خسارة قطر ما نسبته 40% من وزنها السياسي الإقليمي والعالمي، وما نسبته 50% من قوتها الاقتصادية، والأهم نفرة الشعوب العربية من الدوحة وقياداتها منذ بداية الأزمة الخليجية الراهنة.

ومن بديهيات هذا الربط، هو حجم الفوائد المالية التي يحققها النظام الإيراني والحرس الثوري من خزينة قطر ومشاريعها الغازية وشبكاتها الاستثمارية، فضلا عن توظيف أدواتها السياسية والأمنية والإعلامية، في خدمة المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، وتحويلها إلى مركز تجسس وتخريب يستهدف الدول العربية وخاصة الخليجية.

وقد بلغ تهور نظام الحمدين في الإرتماء بأحضان إيران، إلى درجة ربط مصيره بمصير نظام الملالي، الذي أصبح يعيش في عزلة دولية شديدة ويعاني من أزمات سياسية واقتصادية وأمنية داخلية، تؤشر جميع مجرياتها وتطوراتها أن هذا النظام في طريقه إلى الزوال، وتؤكد كافة نتائج الدراسات التي بحثت في الرؤية المستقبلية للحالة الإيرانية، ولا سيما بعد تشديد العقوبات وخروج مئات المظاهرات الشعبية، أن النظام الإيراني في حالة تفكك وانهيار، ولا سبيل لإنقاذه أو تفادي سقوطه، ما يعني أن النظام القطري، والذي تحول في الآونة الأخيرة إلى ركن من أركان النظام الإيراني، سيشهد هذا السقوط.

لذا فإن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في إيران، هو أكثر ما يقلق رموز وقادة تنظيم الحمدين في الوقت الراهن، الذين أصبحوا غير آبهين بإدراكهم حجم الأضرار التي تُصيب الدول العربية وشعوبها، من سياسات قطر ودعمها للأنشطة والتحركات الإيرانية، وحجم الخدمة التي يقدمونها لإيران في تنفيذ أجندتها العدائية للأمة العربية والإسلامية.

وفي الحقيقة فإن السبب الرئيسي لهذا الربط، هو منتوج العقلية السياسية لرموز تنظيم الحمدين، أي التسليم بأنهم ما عادوا يرون أنفسهم معنيين بأمن الدول والشعوب العربية، هذا إن كانوا معنيين بها من قبل، لكن الفارق أنهم أصبحوا يعلنون ذلك صراحة، في المقابل يعتبرون أن  عداءهم للأنظمة العربية وخاصة الخليجية سببا لحماية أمنهم القومي، وأن مواجهة جهود التحالف العربي بقيادة السعودية والإمارات الهادفة إلى مكافحة الإرهاب، هو أولويتهم، وأن اللجوء إلى إيران هو إحدى أدوات هذه المواجهة، على اعتبار أن تمكين الأمن والاستقرار في المنقطة سيشكل تهديدا للنفوذ القطري القائم في الأساس على نشر الفوضى والإرهاب، وهي خدعة تمكنت طهران من زرعها وترسيخها في أذهان قادة الحمدين، وتعتبر الشريحة  الممغنطة التي تستطيع طهران من خلالها تحريك سياسات قطر وأنطشتها في المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

28 فبراير 2019