كان متوقعاً أن تلجأ إيران إلى البحث عن بدائل، تسمح لها بمواجهة آثار العقوبات الأميركية. وبالطبع فإن العراق إحدى الوجهات المفضلة التي تحضر في الذهن الإيراني قبل غيرها. ليس بحكم الجوار الجغرافي، وليس كما تفعل الدول ذات العلاقات الندية المتكافئة. بل لأن إيران تعتبر العراق حديقتها الخلفية. وهناك من يستجيب في بغداد لخدمة طهران بكل سرور، انطلاقاً من دوافع أيديولوجية دينية كما نعرف. وهنا تظهر خطورة بناء الأنظمة على خلفيات مذهبية وطائفية. بدليل أن العقل السياسي الطائفي المتحكم في بنية النظام العراقي الراهن، على استعداد لتقديم كل ما تطلبه إيران من خدمات اقتصادية، ولو كان ذلك على حساب احتياجات الشعب العراقي.

وعلى وقع ضغط العقوبات الأميركية على العراق، من المقرر أن يبدأ اليوم الرئيس الإيراني حسن روحاني زيارة رسمية إلى العراق، لكنها زيارة لا تشبه الزيارات الاعتيادية التي يقوم بها رؤساء الدول إلى البلدان الأخرى ذات السيادة. بل هي زيارة لجباية أموال العراقيين والضغط على حكومتهم لتوقيع اتفاقيات مجحفة، بهدف انقاذ اقتصاد إيران من التدهور الناجم عن تفاعل أضرار وتداعيات العقوبات الأميركية، التي تكاد أن تجفف موارد إيران المالية، لولا بقاء بعض المنافذ التي تستخدمها لجني عوائد وضخ صادرات.

وبالنظر إلى عمق الأزمة في إيران واحتياجها إلى تمويلات كبيرة لتعويض الانهيارات والوفاء بالالتزامات المستقبلية، يمكن القول أن الوجهة العراقية التي تنظر إليها إيران وكأنها كنز لا ينضب لن تحل المشكلة.  فحال العراق البائس في ظل الفساد المتفشي وانعدام الاستقرار السياسي لا يضمن حل أزمة إيران بالكامل، وبذلك يصبح تعويلها على العراق رهان على السراب.

أما الأموال التي تخطط إيران لنهبها من عائدات النفط العراقي، فسوف تتسرب في طريق فساد الوسطاء من النخبة ولن تصل إلى إيران إلا تكاليف شراء وإسكات الحلفاء الذين ينخرون في جسد العراق لحسابها.

صحيح أن الشعب العراقي صاحب التاريخ العريق لا شأن له بكل ما يحدث، ولديه أولوياته ومصاعبه التي تطال قطاعات الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياة والبنية التحتية. لكن رغم ذلك يستمر اللوبي الإيراني داخل العراق في الحد من حل أزماته، لكي يستمر ضخ الأموال العراقية إلى إيران، مقابل خدمات كان بوسع العراق الغني بالنفط وعائداته المجزية أن ينجز بدائل تغنيه عن تقديم جزء من ثرواته لنظام إيران الفاشل.

وعلى مدى عقود منذ استيلاء الملالي على الحكم في إيران، كانوا يترجمون الكراهية التي يكنونها للعرب من خلال أعمال التخريب في العراق، وصولاً إلى الحرب الطاحنة التي اندلعت بهدف تصدير الثورة الإيرانية إلى المنطقة بالقوة. وبعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق، وجدت إيران موطء قدم لها في المشهد العراقي، وواصلت حربها ضد العراقيين بأساليب أخرى، في مقدمتها نهب الثروات ودعم المليشيات المواليه لها في العراق.

واليوم يزور روحاني بغداد بعد أن سبقه وزير الخارجية جواد ظريف لكي يعد برامج واتفاقيات شكلية بين البلدين، القصد منها شرعنة نهب ثروات العراقيين، وجعلهم يدفعون لطهران ثمن الضوء في مصابيح بيوتهم. وهذه واحدة فقط من الاتفاقيات التي تفضح فساد النخبة العراقية الحاكمة، في الوقت الذي تكشف عن حجم الاستغلال الإيراني الرهيب للعراق.

المعروف أن وزير الخارجية الإيراني ظريف كان قد قدم استقالته، ويشكو منذ فترة من نهب صلاحياته والتطاول على منصبه من قبل جنرالات الحرس الثوري، وفي مقدمتهم قاسم سليماني الذي يتبجح بجولاته العسكرية في مناطق نفوذ إيران. ولا أحد يعرف بأي مزاج وبأي روحية ذهب ظريف إلى بغداد للتهيئة لزيارة روحاني. وما إذا كانت نفسيته المنكسرة بفعل سلب صلاحياته، هي التي أوقعته في الخطأ الدبلوماسي، الذي تناقلته وسائل الإعلام، عندما بادر بتوجيه الشكر للحكومة العراقية لأنها لم تلتزم بالعقوبات الأميريكية ضد بلاده!

هذه الورطة التي تريد إيران أن تدفع العراق للوقوع فيها، يهرول ساسة العراق بعماء شديد للاستسلام لها، بدوافع لا يمكن أن توصف إلا من داخل منظومة الولاء الديني والمذهبي، على حساب الانتماء للعراق والالتزام بوضع مصالح شعبه في المقدمة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

11 مارس 2019