قطار إلى العراق!! هذا أحد المشروعات التي يطمح إليها الرئيس الإيراني حسن روحاني من وراء زيارته إلى بغداد. وبهذا المشروع يريد أن يرمي أكثر من عصفور بسكة حديد واحدة، تخترق الحدود العراقية الإيرانية، بعد  أن كانت مسرحاً لموت آلاف الإيرانيين، الذين حملوا في عهد الخميني صكوك الدخول إلى الجنة، لكنهم ذهبوا إلى الجحيم، في حرب أهلكت مئات الآلاف، وكشفت عن مخزون العنصرية الفارسية وحروبها العبثية ضد العرب.

والآن يريد روحاني أن يمنح النفوذ الإيراني قطاراً سريعاً، يعبر الحدود إلى العراق من دون حرب، ويعمل بوقود أيديولوجيا قديمة أصابها الصدأ، لكي يحقق حلم الخميني القديم بأقل التكاليف. كما يسعى روحاني إلى رفع رصيده وفريقه في إيران، في مرحلة حرجة، يبحث الجميع فيها عن وسائل لإثبات الجدارة في خدمة النظام المتهالك. لعلهم يحصلون على أوسمة ونياشين، كالتي حصل عليها مؤخراً قاسم سليماني، مقابل خدماته العسكرية العابرة لسيادة البلدان الأخرى، وفي مقدمتها العراق، الذي لا تنقصه قطارات لنقل المزيد من العصابات الإيرانية إلى بلاد الرافدين.

يريد روحاني أن يختصر الطريق إلى بغداد وإلى دمشق وبيروت أيضاً. فبوسع القطار (المنتظر) أن ينقل جنود الحرس الثوري، ومعهم كل من لديه رغبة مجنونة بقتال العرب في بلادهم. وإذا كانت الكتائب الإيرانية المقاتلة تستغرق في ما مضى الكثير من الوقت قبل أن تصل إلى العراق، فإن مشروع القطار كفيل باختزال الزمن، لنقل الحجاج والجنود الإيرانيين إلى العراق وسوريا في وقت قياسي.

إلا أن الحديث عن نقل الحجاج الشيعة إلى المناطق التي يعتبرونها مقدسة في العراق سوف يتم تداوله للتمويه لا أكثر. وإذا تم تنفيذ مشروع السكة الحديدية بالفعل، سوف يتمحور التركيز الإيراني في المستقبل على ما ينقله القطار من العراق إلى إيران وليس العكس. فقد ترسل إيران آلاف الحجاج الشيعة إلى العراق، لكن العراق لن يحصل مقابل ذلك على شيء يستحق، سوى الزحام والفوضى والحوادث، واستهلاك الغذاء والماء والدواء من السوق العراقية. بينما تسعى طهران إلى أن يحمل القطار القادم من العراق ما يساعدها على تخطي العقوبات الغربية، وأن تكسر الحظر على الواردات، وتجد سوقاً مفتوحة لصادراتها متدنية الجودة. ولن تمنح العراقيين سوى شعارات قديمة لم تصنع للإيرانيين أنفسهم أي مكاسب منذ أربعة عقود.

ما تبحث عنه إيران هو المصلحة والفائدة، ويهمها أن تستغل العراق، وأن تلتف على العقوبات المفروضة عليها، حتى لو أدى ذلك إلى فرض عقوبات قاسية على بغداد، بسبب خرقها للإجراءات الاقتصادية التي تقررت ضد إيران.

من جهة أخرى سوف تكون خيانة السياسيين العراقيين لبلدهم وشعبهم واضحة المعالم منذ الآن، إذا ما رضخوا لمشروع روحاني التوسعي الناعم. فالقطار الإيراني الذي سيزحف مثل ثعبان الأناكوندا، سيلتهم في طريقه كرامة العراقيين وخيراتهم، وسوف يحول العراق إلى أرض جباية وإلى معبر مفتوح للجيش الإيراني إلى دول المنطقة.

وعندما يتحدث الإيرانيون عن العلاقة الاستثنائية التي تربطهم بالعراق، نعلم أنهم يمدحون من يستهلك بضائعهم ذات الجودة المنخفضة، بينما لا يقدمون للعراق أي فائدة. وبذلك تنتفي العلاقة القائمة على تبادل المصالح. فمن يكسب أكثر هي إيران، بينما يتحول العراق إلى سوق لبضائع إيرانية فاسدة، وإلى محطة لتزويدها بما ينقصها من أموال ومعدات منعدمة في السوق الإيرانية.

لقد كشف روحاني عن غرضه من زيارة العراق بأسرع وقت، وفي أول تصريح له نقله التلفزيون الرسمي العراقي، قال أمس الإثنين “إنه يتطلع لإقامة مشروع سكك حديدية مع العراق في المستقبل القريب”. هذا دليل على أن إيران لم تقنع حتى الآن بمساهمتها البارزة في تدمير حاضر العراقيين، بل تريد أن تحجز لهم مساحة في مخططاتها المستقبلية، لإنجاز المزيد من التجريف العدواني لثروات العراق، ووحدته الوطنية، وحقه في إقامة علاقات ندية متكافئة مع الغير، بحيث لا تقوم على الاستغلال والنهب، كالذي تمارسه إيران بشكل ممنهج.

القطار الإيراني إلى العراق، سوف ينقل المزيد من التخلف والفقر والفوضى إلى الأراضي العراقية. وإذا كان ساسة العراق يخشون المواجهة والمكاشفة وقول كلمة لا في وجه إيران، لا شك أن المستقبل القريب كفيل بولادة أصوات عراقية ومواقف عربية أكثر حزماً، من شأنها أن تضع حداً لتزايد أطماع إيران. وعلى القيادة العراقية اليوم أن تضع مصلحة الشعب العراقي في مقدمة أولوياتها، وأن تحرص على أن يبقى مشروع القطار الإيراني مدفوناً تحت عمامة روحاني إلى أجل غير مسمى. وبالتحديد إلى أن يستعيد العراق مكانته وقدرته على فرض مصلحته، والتعاطي مع ألاعيب إيران بيقظة وأنتباه.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

12 مارس 2019