في كتابه المعنون «من أجل سكان هذا الكوكب: زايد إرث في التنمية المستدامة» الصادر في سبتمبر الماضي، والذي أهدت وزارة التغير المناخي والبيئة نسخة خاصة منه إلى «الاتحاد»، يشير المؤلف غريم ويلسون، إلى أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، كان قريباً جداً من نبض الأرض وقلبها الكبير، فهو كما يقول: «حمل الشيخ زايد في نفسه هذا الفهم الفطري للعالم الطبيعي»، والذي تم وصفه بأنه على مقدرة عالية من «الإصغاء إلى الأرض».

لقد آمن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بأن الإنسان وصيّ على الأرض، وقد أمره الله بالحفاظ عليها وعلى استدامة الحياة فيها، وذلك من خلال دراسته لكتاب الله عز وجل وفهم آياته البينات المتعلقة بواجب الحفاظ على الأرض بكل ما عليها، من هنا، وانطلاقاً من تمسكه بعقيدة الإسلام وكتاب الله، فقد ازداد إيمانه رسوخاً ورأى في الحفاظ على البيئة ومقومات استدامتها، فرضاً دينياً وإنسانياً وأخلاقياً.
وقد سعى الشيخ زايد إلى غرس ملايين من أشجار الغاف التي باتت الشجرة الوطنية في الإمارات، وساهمت هذه الأشجار في مقاومة التصحر بشكل كبير، وتحقق الحلم الكبير لتطور الدولة بفضل وعيه وحنكته وحكمته كرجل دولة من الطراز الأول.

النفط عصب الاقتصاد
عندما رأى بعض الصيادين بقعة سوداء تطفو على سطح البحر وتلطخ جوانب القارب باللون الأسود، بدأت مسيرة التنقيب عن الذهب الأسود في أعماق البحر واليابسة، ومع إمكانية وجود البترول والنفط الخام بدأ التعاقد مع شركات التنقيب عنه واستخراجه بكميات آخذة في الازدياد «وخلال الأشهر الستة المتبقية من السنة، تم تحميل 710.000 طن نفط. وبين عامي 1962 و1966، بلغ إنتاج النفط الخام في أبوظبي نحو 10 ملايين جالون في المناطق البحرية و14 مليوناً على اليابسة، فيما بلغت الإيرادات الناتجة عنها نحو 100 مليون دولار».
وبعد أن تم اكتشاف حقول النفط واستخراج الخام منها، حيث شهدت الإمارات طفرة اقتصادية هائلة وفّرت للشيخ زايد كل الإمكانيات المادية لتحقيق حلمه ببناء دولة عصرية متحضرة ومؤثرة في المشهد العربي والعالمي، لا سيما في مجالات البيئة المستدامة والتناغم مع روح العصر والمساهمة الفاعلة في جعل الحياة أفضل وأجمل لكافة سكان كوكبنا الأرض، فبعد أن أصبحت دولة الإمارات عضواً في منظمة الأمم المتحدة، ولإيمان الشيخ زايد بميثاق الأمم المتحدة، بدأت الدولة الصغيرة بمساحاتها والكبيرة بفعلها، تقود العالم في كل ما يتعلق بالبيئة والخطر المحدق بالكوكب، لإبعاد شبح تدمير الأرض بسبب سياسات الدول، التي ظلت زمناً طويلاً غير مكترثة بما يحصل من إيذاء وأذى للحياة السليمة والمستدامة على كوكبنا. ومع تزايد إنتاج النفط الخام في الإمارات، شهدت الدولة طفرة عالية، لا تزال مستمرة إلى الآن، من الإعمار والعمران والبنى التحتية حتى أصبحت إحدى الدول المتقدمة في العالم بمناحي الحياة كافة، وأصبحت دبي على سبيل المثال، واحدة من أجمل المدن العصرية في العالم، يتوافد إليها الملايين من السياح والعمالة الأجنبية الوافدة، ما يجعلها درة المدن إلى جانب عاصمة التسامح أبوظبي.

من البداوة إلى العصرنة
نشأ الشيخ زايد في بيئة بدوية ترعرع فيها، كان يعشق الصيد ويتجول في الصحراء، وكان فكره وخياله الواسع وحكمته التي كان للصحراء وشمسها وليلها، بكل ما تعنيه من قيم الفروسية والشهامة والأصالة، أثر بارز ساهم في إثراء فكر المغفور له ودفعه إلى البحث الدائم عن طرق إبداعية مبتكرة للحفاظ على مصادر الحياة وإثرائها، فاستطاع في مدة قصيرة أن يحول الصحراء إلى جنة على الأرض، وأن يرفع مستوى الحياة فيها إلى القمة.
ولم تقتصر إنجازات الشيخ زايد على الإمارات فحسب، بل تعدت ذلك إلى العديد من الدول النامية والبلدان الفقيرة، وساهم المغفور له الشيخ زايد، بسخاء في إقامة مشاريع حيوية فيها للقضاء على الفقر والتخلف وآفات المرض التي تفتك بشعوبها، ويذهب ضحيتها الملايين من البشر، لا سيما الأطفال منهم.
يقول صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله: «بزغ علينا عصر جديد عندما تولى المغفور له الشيخ زايد قيادة حكومة أبوظبي، وأطلق مسيرة الدولة نحو الوحدة، والازدهار، والتنمية المجتمعية».
ومقولة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، لم تأتِ من فراغ، بل من حقيقة تاريخية ناصعة لمسيرة القائد المؤسس التي تكللت بالنجاح الباهر بفضل إيمانه الراسخ بالوحدة وبضرورة توفير حياة الرفاهية والسعادة لمواطني الدولة كافة، مع الحرص الدائم على الطاقة المستدامة وسلامة البيئة واستدامتها للأجيال القادمة.

اتساع رؤيته وإرادته
كان الشيخ زايد رجلاً شجاعاً واثقاً من نفسه، محباً للخير، كريم النفس وسخيّ اليد، حكيماً ومتواضعاً إلى أقصى حد، ما حوّله إلى أسطورة، أحبه أبناء شعبه واحترمه العالم كله، ورأوا فيه نموذجاً يحتذى به، كرجل دولة وقائد فذ وملهم، فحيث تطأ قدماه تخضر الأرض وتتفتح الورود وتتفجر الينابيع والجداول، وتعم المحبة والخير والطمأنينة والسلام. والشيخ زايد لم يكن حاكماً يأمر وينهى، بل كان مرشداً ومعلماً حكيماً، واسع المعرفة، قريباً من قلوب الناس وقدوة وملهماً لهم، حتى أصبح رمزاً وعلماً عالياً.

لقاء الشخصيات المؤثرة
خلال مسيرته الرائدة، التقى الشيخ زايد بالشخصيات المؤثرة كافة في العالم، من رؤساء دول وعلماء ورجال العلم والأدب والثقافة، فأحبوه واحترموه وقدروا عطاءه وعظمته في إدارة شؤون مجتمعه وتأثيره الإيجابي على حياة المجتمعات الأخرى، وتصدره ويقظته وفطنته للمخاطر المحدقة بالبشرية والبيئة على هذا الكوكب وعلى الإنسانية، وحثه الدائم على ضرورة اتخاذ الخطوات والقرارات الشجاعة لكبح تلك المخاطر. يقول المؤلف غرايم ويلسون في سياق تلخيصه لمسيرة الشيخ زايد: «في 6 أغسطس 1966، تغير كل شيء بالنسبة لسكان الساحل المتصالح الذي كان حينها منطقة تعاني الجفاف وانعدام التنمية في شبه الجزيرة العربية. وكما أشار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في وقتنا الراهن: «إن يوم السادس من أغسطس الذي يصادف الذكرى السنوية لاعتلاء والدنا وقائدنا العزيز عرش أبوظبي، هو نقطة تحول في تاريخ هذه الدولة الحديثة. إنها شعلة من النور أضاءت طريقنا. لا نحتفل في السادس من أغسطس بذكرى تولي مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي وحدها، بل هي ذكرى غالية لجميع شعبنا في الإمارات السبع. كان الشيخ زايد حامل راية الوحدة…».
هذه الفقرة التي أوردها مؤلف الكتاب مقرونة بإشارة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، تؤكد لنا أنّ القيادة الحالية تجدد العهد بالمضي قدماً على نهج القائد المؤسس، مستلهمة رؤياه وحكمته الثاقبة ووعيه الحداثي ليس للحفاظ على الإنجازات الهائلة التي حققها فحسب، بل للمضي قدماً إلى مزيد من الإنجازات والتطور والازدهار في مناخ من الوحدة والتحالف والتضامن والألفة. ومن يقرأ الكتاب سيكتشف مسيرة الشيخ زايد بأدق التفاصيل، فيدرك كم كان عظيماً هذا القائد.

بصيرة الملهم
لم يكن الشيخ زايد حالماً بالأفضل فحسب، بل امتلك بصيرة قادرة أن تجعل الحلم حقيقة وواقعاً معاشاً، ينقل دولة الإمارات، وخلال أربعة عقود فقط، من دولة على هامش العالم الحديث، إلى مقدمة دول العالم على كافة الصعد ومجالات الحياة، ومن المتعارف عليه أنَّ الإنسان كلما اقترب من الأرض والطبيعة والبيئة وتماهى معها، أصبح أكثر إنسانية ووعياً وحباً للخير والعطاء اللامحدود ومنحته الطبيعة أغلى المزايا والخصال الحميدة وعلى رأسها المحبة، محبة الأرض وكافة المخلوقات والنباتات، وكل ما يعيش عليها ويتنفس منها وبها الحياة، ولأن الأرض واحدة، رغم التقسيمات الجغرافية التي وضعها البشر، فقد تجاوزت رؤيا الشيخ زايد، الإنسان والقائد الملهم، حدود جغرافية الإمارات، واتسع حلمه ليشمل هذا الكوكب الجميل، وضرورة المحافظة عليه من الأخطار الجسيمة التي تهدد الحياة عليه، كالاحتباس الحراري وثقب طبقة الأوزون والتغير المناخي، ما يهدد سلامة البيئة واستدامة قابليتها للعيش للأجيال القادمة.

توازن الطبيعة
تنبّه الشيخ زايد منذ نعومة أظفاره إلى عبث الإنسان بالطبيعة وارتكاب جرائم بحقها، أدت إلى انقراض قسم من الكائنات على هذه الأرض، فدأب على المحافظة على أنواع الطيور والزواحف والأحياء كافة التي تضاءلت أعدادها وأصبحت مهددة بخطر الانقراض، فأقام المحميات الطبيعية لإتاحة المجال أمام تكاثرها ونموها واستمرار وجودها، والحرص على بقائها، فالأرض ليست حكراً للإنسان وحده، بل لكل مخلوق الحق بالعيش عليها، ولم يكن خلقه أو وجوده عبثاً، وإنما هي حكمة الله لتوازن الطبيعة بكل ما عليها من بشر وشجر وحجر وطير وحيوان.

وراثة الأرض
ساهم العلم ومستلزماته الحديثة في غزو الإنسان للفضاء بحثاً عن كشف واكتشاف إمكانية وجود حياة ما على كواكب غير الأرض، ومن خلال ذلك تم التقاط صور لكوكب الأرض، بينت لنا كم هو صغير هذا الكوكب الذي نعيش عليه أمام المجرات والفضاء اللامتناهي وأيقظت العالم من غفوته حيال المخاطر التي تهدد هذا الكوكب الصغير، فيقول المؤلف: لم تكن لهذه الصورة المميزة والملتقطة آنذاك بالأبيض والأسود التأثير الدرامي والدائم نفسه على المجتمع كصورة «شروق الأرض» الشهيرة – التي التقطها طاقم أبولو 8 في ديسمبر عام 1968، والتي عزا إليها نائب الرئيس الأميركي السابق آل غور «الفضل في الصحوة الحديثة للحركة البيئية»- لكن صورة 1966 أثارت وعياً جديداً حيال الأرض ومكانتها المتقلقلة في المجرة الشاسعة. تركت هذه الصورة تأثيراً محدداً واضحاً من حيث زيادة الوعي».
وآمن الشيخ زايد بأن الله سبحانه وتعالى أورثنا هذه الأرض لنجعل منها جنة ممكنة لكل من يحيا عليها.

مسيرة المؤسس
القارئ لهذا الكتاب، والمتتبع لمسيرة الشيخ زايد المظفرة، سيدرك قيمة إسهاماته، ولم تكن غاية مؤلف الكتاب تقديم الإنجازات فحسب، إنما أراد من وراء ذلك أن يقدم للعالم نموذجاً يحتذى به لرجل الدولة وللقائد الحقيقي الذي يكرس كل ما لديه من أجل شعبه وبناء الوطن والدولة الحديثة القابلة للعيش، والتطور في مناخ من الحرية والتآخي بين أبنائها وقادتها، حيث نوه المؤلف ويلسون بأن «الكتاب بما يضمه من تجارب وقصص نجاح للأب المؤسس، يقدم للعالم أجمع نموذجاً للقائد ورجل الدولة الذي يتصف بالعطاء ونكران الذات، والقادر على استشراف المستقبل».

حفل نيويورك
تم إطلاق الكتاب في حفل استقبال أقامه سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولي، على هامش أعمال الدورة الـ73 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وذلك بمقر متحف مكتبة «مورغان» التاريخي في مدينة نيويورك خلال سبتمبر الماضي، وحضر الحفل، عدد من رؤساء الحكومات، ووزراء خارجية الدول الخليجية والعربية والأجنبية الصديقة، بالإضافة إلى كبار المسؤولين لدى المنظمات الدولية، وفي الإدارة الأميركية.

شروق عوض

نقلا عن جريدة الاتحاد: زايد إرث في التنمية المستدامة