يدور المجتمع الدولي حول نفسه منذ سنوات، ويستعيد كل الأفكار والاحتمالات الإيجابية، بشأن إمكانية التزام إيران بتعهداتها، ثم تكتشف جميع الأطراف، أن إيران غير مؤهلة للحوار، لأنها لا تتعامل مع الآخرين بوصفها دولة تسري عليها القوانين الدولية السائدة، بل تعتبر نفسها ثورة دينية متطرفة، تقسم العالم إلى مؤمنين وكفار!

ومؤخراً قال وزير الخارجية الأميركي بومبيو أنّ “الولايات المتحدة الأميركية تطالب إيران بالبدء بالتصرف كدولة طبيعية”، في سياق حديث للوزير الأميركي حول سياسة العقوبات. فكان توصيفه دقيقاً، ويتهم إيران ضمنياً بأنها تتحرك بمزاج اللادولة، وذلك صحيح فعلياً.

فمن خارج العصر الراهن، ومن دخل ميتافيزيقا دينية معجونة بجنون الانتصارات الوهمية، تتحرك إيران بذراع دبلوماسي، يمد يداً لمصافحة الغرب، ثم يكرس إعلامه في الداخل للتعبئة ضد ما يصفها بالهجمة الغربية الحاقدة. ولا أحد يعلم بالضبط، ما الذي تمتلكه إيران لكي تستحق أن يحقد عليها الآخرون. هل يمكن أن يحسد أحد بلداً على طوابير الفقراء فيه، أم على تسلط رجال الدين وتحكمهم بكل صغيرة وكبيرة؟

منذ أربعة عقود والعالم يطالب إيران أن تكون فقط دولة طبيعية، بالمعنى المباشر لمفهوم الدولة. أي الكيان الذي يمكن التعاطي معه والحصول على ضمانات لتحقيق التزاماته. مثل الاتفاق النووي الذي أرادت طهران أن تستغله، لكسب فائض من الوقت، تقوم خلاله باستكمال مشروعها التدميري الغامض. وتريد من الجميع أن يصمتوا، بينما لا يتوقف ساستها وإعلامها عن التصريحات، التي توحي أن إيران تعتبر نفسها موجودة في محيط من الأعداء.

الحديث عن نظام اللادولة في إيران، صار شائعاً ومتداولاً، لأنه وصف يفرض نفسه، ويعبر عن واقع يلمسه العالم كل يوم. ومن المنطقي أن يتصاعد الضغط على إيران في هذا المسار إلى أن تتحول إلى دولة.

خلال السنوات الماضية منذ إبريل 2015، دخلت إيران مرحلة قصيرة ومؤقتة من التفاهم النسبي مع الغرب، بعد توقيع الاتفاق النووي. وتجول وزير خارجيتها بما فيه الكفاية في عواصم أوروبا. إلى أن قرر الطرف الأميركي الانسحاب من الاتفاق. وعادت إيران إلى مرحلة العقوبات من جديد. والآن، بالقياس إلى شدة الضغوط الغربية على طهران، وبتزايد انعدام الثقة بأي تعاون مستقبلي معها، يتوقع أن تنسحب بقية الأطراف من الاتفاق النووي للحاق بالولايات المتحدة، التي تراهن على العقوبات، لتأديب إيران، ووقف خداعها للمجتمع الدولي.

وقريباً على الأرجح، سوف تصبح تحركات الدبلوماسية الإيرانية في عواصم أوروبا مجرد ذكرى قديمة، وألبومات صور صامتة، لأن التحايل الإيراني يدفع باتجاه اتخاذ تدابير جديدة، تساند العقوبات الأميركية، وتعمل على أن تكون فاعلة لتحقيق الغرض منها. إذ لا يعقل أن تكون العقوبات بلا غاية. فهذا ما تريد إيران تصويره للمجتمع الإيراني في الداخل، بحديثها المقصود عن عبثية العقوبات، وأنها معادية للشعب الإيراني، ومجرد تعبير عن الحقد الغربي على نظام الثورة الإسلامية!

كلما استمر نظام طهران في استخدام مفردات لا تنتمي إلى قاموس السياسة المعاصرة، يتأكد للمراقب المحايد أن إيران لا تزال عالقة في ورطة أيديولوجيا الثورة، بكل ما تختزنه من أوهام وأكاذيب، ربما كانت في الماضي ضرورية لخداع الجماهير. لكن من المضحك في الوقت الحالي، استمرار إيران في تبني أفكارها القديمة، ونظرتها الراديكالية إلى المجتمع الدولي، باعتباره يمثل حسب مخيلة ملالي إيران، حفنة من الكفار الأشرار!!

يجب أن يفهم الغرب سلوك إيران. فعندما تستضيف فيينا أو روما أوبروكسل أو أي عاصمة غربية اتفاقاً لصالح إيران، تبتسم طهران للغرب ابتسامة صفراء، ثم تشترط أن يتم التغاضي عن خرقها للاتفاق، وتستمر في العبث خارج حدودها أيضاً! ومثل هذا السيناريو لا يجب أن يكون متاحاً مرة أخرى. كما لم يعد بوسع طهران الادعاء بأنها طرف يمكن الاتفاق معه على قضايا كبرى، مثل حفظ السلام في الشرق الأوسط، والقبول بالخضوع لرقابة دولية صارمة، لمراقبة مشاريعها العسكرية المشبوهة.

وبانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وعودة العقوبات، أصبحت إيران تبحث عن حلول مؤقتة لمصاعبها الاقتصادية. وتعرف النخب الإيرانية، التي تتحرك بمعزل عن غشاوة الأيديولوجيا والشعارات البلهاء، أن إيران بحاجة إلى تحرير نفسها من هيمنة الخطاب الثوري الذي زرعه الخميني، وترك بداخل عقول ورثته في السلطة لوثة عقلية، وشعارات تقود الإيرانيين إلى الهاوية. ولا مجال لإنقاذ مستقبل إيران، إلا بتحريرها من نظام اللادولة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

13 مارس 2019