قدمت قطر لإيران هدية ثمينة بانسلاخها عن محيطها الخليجي. لأن تفتيت دول المنطقة واختراق أمنها القومي وتقسيم مواقفها الخارجية على رأس أولويات إيران. ومع مرور الوقت تورطت قطر أكثر في التماهي مع الأجندة الإيرانية، ومن دون أن تحصل على شيء من وراء خدماتها المجانية للنظام الإيراني، سوى التلذذ بالمكابرة وتمثيل دور الضحية، في إقليم لا يحتمل التنافر وتجاهل التحديات المشتركة. لكن تمادي قطر أوصلها إلى التقيد بتنفيذ استراتيجية إعلامية إيرانية شائعة، تقوم على محاولة بث الفرقة والانقسام بين خصومها.

ومن يتأمل أخبار وتقارير الصحافة القطرية والإيرانية، يجدها لا تخلو من العزف على وتر إثارة الكراهية والمراهنة على استهداف وحدة الموقف الخارجي، الذي يجمع بين أكبر دولتين في الخليج: السعودية والإمارات. وبنظرة سريعة على عناوين الصحف القطرية والإيرانية، يمكن ملاحظة تشابه المحتوى بسهولة. وخلال الأسابيع الماضية بالتحديد، تشابهت عناوين الأخبار، وتكاد تكشف أن المطبخ الإعلامي الإيراني والقطري أصبحا في غرفة واحدة. وبخاصة في ما يتعلق بإنتاج الأخبار والتقارير التي تستهدف العلاقات بين الدول العربية. ولم يعد يخفى على المتابعين أن الدوحة تتلقى النصائح من طهران. بل إن الثانية أصبحت تمارس من خلال وسائل إعلامها دور الناطق الرسمي باسم قطر!

كما تصر إيران بسياستها الإعلامية على تنشيط الذاكرة العربية والتذكير ببشاعة الاستعمار، من خلال استنساخها النهج الاستعماري التقليدي المفضوح، الذي قام على شعار “فرّق تسد”. فما ينشره الإعلام الإيراني ويردد صداه إعلام الدوحة بغباء وحقد أعمى، ليس بعيداً عن استعارة نهج التفريق بين القوى التي تواجه المد الإيراني التخريبي في المنطقة.

وبقراءة سريعة لعناوين وموضوعات الإعلام الإيراني والحليف القطري المخلص لطهران، نجد أن المحور الأول الذي يحتل صدارة اهتمام صحف طهران والدوحة معاً، على صلة بالمحاولات المتكررة التي  تستهدف ضرب علاقات الدول العربية ببعضها، وبخاصة علاقات الإمارات الخارجية وتحالفاتها الاستراتيجية، وفي المقدمة علاقتها مع السعودية، لأن المملكة بقيادتها للعالم الإسلامي تؤرق طهران، وتحد من نشرها للطائفية والفوضى في المجتمعات التي لم تتعرض للوباء الفارسي حتى الآن.

أما الملف الثاني الذي يروق لطهران والدوحة توظيفه وخداع الرأي العام باستخدامه، فهو ملف التطبيع، الذي تجاوزت صحف إيران وقطر بتناوله نهج القصص الخيالية الأسطورية، وكل يوم تخترع حكاية، لا أساس لها في الواقع.

إن محاولات إيران اليائسة للانفراد بدول المنطقة لن تتكرر كما حدث مع قطر، رغم أن إيران لا تدع أي فرصة تتاح لوسائل إعلامها للعب على وتر التفرقة. لكن الدروس التي تجمعت حول الخطر الإيراني لم تعد قليلة. وخصوصاً أن أمامنا نماذج لدول عربية تم إلحاق الأذى بها. وأصبح الفايروس الإيراني يؤدي عمله كما يحدث في لبنان، حيث الدولة التي أصبح جيشها مضطراً إلى التعايش بذرائع وشعارات مخادعة مع سلاح ميليشيا أصبحت أقوى من الدولة اللبنانية وجيشها!

هذا بالضبط ما تريده إيران.. أن تكون خلاياها ومجموعاتها الطائفية أقوى من الدولة الحديثة التي ترعى كافة مواطنيها على السواء، في ظل تسامح وتعايش وانفتاح وقبول بالآخر. وكل من يقف ضد هذا التوجه التخريبي فإنه يسبب الصداع لإيران.

صحيح أن الداخل الإيراني يشكو انهيارات وتداعيات اقتصادية واجتماعية خطيرة. رغم ذلك لا تتوقف إيران عن التعبئة الأيديولوجية، والقول بأن المصاعب الاقتصادية التي تحاصرها مجرد ثمن لجهودها في تصدير الثورة التي لم تقدم للإيرانيين سوى شعارات وأوهام لا علاقة لها بحياتهم اليومية ومستقبلهم.

وسوف تظل إيران تبحث عن أي ثغرة لكي تضرب من خلالها العلاقات الثنائية بين الدول العربية، وبتركيزها على إثارة من يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعي، تحرص على نقل مخططاتها إلى المجتمعات العربية. وعلى المستوى الداخلي وبهدف تخدير شعبها، تحرص على جعل الجمهور الإيراني يستهلك معطيات إخبارية كاذبة، تتحدث عن تطبيع مزعوم، وعن صفقات سرية، وعن اعداء افتراضيين. وهكذا تتم صناعة الأكاذيب في إيران لإطالة عمر النظام.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

17 مارس 2019