عندما كانت النخب المثقفة تناقش في العقود السابقة مراجعة التراث وتجديد الخطاب الديني، لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد ظهرت وأتاحت للصغار والكبار الخوض في كل شيء، والانفعال من دون وعي، والانسياق وراء خبثاء يستغلون العاطفة الدينية للعامة والبسطاء، ويهدفون من وراء ذلك إلى تسجيل مواقف متزمتة، وتصويرها كأنها معبرة عن الشعوب. بينما الشعوب في الواقع لا تقبل بالفكر المتطرف ولا تؤيد ما يؤدي إلى إرهاب المجتمعات باسم الدين.

بالطبع لا ننكر دور وسائل التواصل الاجتماعي في التقريب بين الناس وتحقيق غاية التعارف بين الأمم والأفراد، وهذه إحدى القيم التي حثنا عليها دين الإسلام. إلا أنه من سلبياتها أنها تفتح المجال لبعض الجهلة والمتطرفين ومن يصطادون في الماء العكر لتمييع النقاشات النخبوية حول قضايا الفكر المؤجلة. ولدينا في الدول العربية والإسلامية حزمة من القضايا التي تتطلب الحسم على مستوى الفكر النظري، ثم إسقاطها على الواقع عبر مناهج تعليم وبرامج وسياسات إعلامية وثقافية.
لكن وسائل التواصل الاجتماعي تسببت للأسف الشديد في خلط الحابل بالنابل، ومنحت من لديهم هواية الصراخ والجدال المستند إلى تهييج العامة فرصة للظهور. مما دفع البعض إلى الانسحاب من ضجيج الإنترنت الذي تعرض لزحف المتزمتين، وكاتب هذه السطور أحد المنسحبين من وسائل التواصل الاجتماعي منذ فترة، لأن النقاش وإبداء الرأي عبرها أصبح مهمة شاقة، تجعل الكاتب في مواجهة غير عقلانية، مع أشخاص يتحدثون بلغة التكفير والعنف.
قد تصلح أدوات ومواقع التواصل الاجتماعي في عالمنا العربي للنقاشات المتصلة بالرياضة والفن، وتداول الأفكار والآراء بشأن مسائل اجتماعية أو مستجدات سياسية. لأن عالم السوشيال ميديا فضاء إشكالي، يعكس مستوى وعي العامة وعدم قابلية الرأي العام لفتح نقاشات جوهرية حول مسائل فكرية، مثل إعادة قراءة التراث، والتمهيد لإصلاح مطلوب في منظومة الفكر الإسلامي.
لا تزال لدينا قضايا فكرية نخبوية، من الصعب طرحها للنقاش على الرأي العام وعلى مستوى وسائل التواصل الاجتماعي تحديداً. وفي مقدمتها مراجعة كتب التراث وفتح باب الاجتهاد في ما يحتمل أن يخوض فيه عقل الإنسان. وبعد كل جدال يتضح لنا أن الوقت في عالمنا العربي لا يزال مبكراً على فتح النقاش حول مسائل تتصل بتجديد الخطاب الديني ومراجعة التراث.
فمنذ عقود يحاول مجتهدون من أصحاب الفكر العربي المستنير فتح آفاق ممكنة للنقاش حول التراث والتجديد والإصلاح الديني، لكن هذا الجهد النخبوي ظل محصوراً في الكتب والندوات والمؤتمرات، أو في الحوارات التي تقام على مستوى دائرة ضيقة في بعض الجامعات ومراكز الأبحاث، بعيداً عن جمهور العامة. ورغم تلك الدائرة الضيقة، فإن بعض المفكرين تعرضوا للغدر وفقدوا أرواحهم أو تلقوا التهديد من قبل جماعات متطرفة، بسبب كتاباتهم ومؤلفاتهم.
لم يكن النقاش حول التراث والتجديد في الماضي يثير كل هذا الضجيج ورود الأفعال كما يحدث حالياً، وهي ردود يستغلها المتطرفون للإعلان عن وجودهم والاستقواء بالرأي العام، وتصوير أن السواد الأعظم للمجتمعات يقف إلى جانبهم. وهذا غير صحيح. لأن الفكر المتطرف معزول ولا يحظى بالتأييد والتعاطف إلا من قبل أتباعه. أما المجتمعات فتميل إلى الانفتاح والسلام والتعايش والتدين الذي ينبذ الكراهية والإرهاب.
والآن كلما توفرت مناسبة للتفكير بعقلانية حول إعادة النظر في تقديس التراث، يجد المتشددون في ذلك فرصة مثالية للاستقواء بغضب وانفعال العامة، ويحتمون خلف الرأي العام المحافظ. وبخاصة أن المواقف التي يلتزم بها البسطاء ويعبرون عنها في وسائل التواصل الاجتماعي، تنطلق من عاطفة دينية صادقة وفطرية. ولا جدال حول المظاهر والتعبيرات التي تؤكد على تمسك الشعوب بالقيم الدينية التي تمثل جوهر هويتها. لكن الاعتراض يتركز على من يعتنقون أيديولوجيا التطرف، ومقدار استغلالهم البشع لحرص المجتمع على ثقافته الدينية وجذورها العميقة، حيث نجد المتطرفين يظهرون الوجه الآخر الذي يتعاملون به مع الدين، باعتباره لديهم حصان طروادة لتمرير سلوك التكفير والإرهاب والتعصب.

رابط المقال: بجريدة. الاتحاد قضايا الفكر ووسائل التواصل

17 مارس 2019