طالما كان البلقان، إلى جانب الشرق الأوسط، أكثر المناطق تأزماً عالمياً، لناحية الأزمة الهوياتية والحضارية، ببعدها الإثني (العرقي والديني والجهوي)، بما يشكل شرخاً قابلاً للانكسار وإحداث أزمة عالمية بمجرد توفر معطيات ذلك. وما السلام القائم حالياً في المنطقة إلا سلام لم يترسخ بعد، لا يؤكده تاريخ المنطقة من جهة، عدا عن أنه سلام قائم نتيجة الضبط الدولي للمنطقة.

محددات الأزمة:

تستند روسيا في عملية صعودها، وتأكيد مكانتها الدولية كقوة عالمية غير قانعة بالترتيبات الدولية، إلى تفعيل نشاطها في مناطق نفوذها السابق، ونلحظ أنها ابتدأت بمحيطها القريب ثم الشرق الأوسط، وحالياً تنشط بشكل تصاعدي في البلقان، بشرقه وغربه.

ووفق المسار المرصود في البيئات السابقة، فإن أي نشاط روسي متصاعد سيليه –في لحظة مناسبة- نشاط عسكري تصادمي -مباشر أو بالوكالة- مع القوى المحلية أو الوكيلة للقوى الدولية، في البلقان، على أن غرب البلقان يبقى البؤرة الأكثر قابلية للتأزم على المدى المتوسط.

في المقابل، ومنذ نهاية الحرب الباردة، والولايات المتحدة تعتبر البلقان وشرق أوروبا منطقة نفوذ خالص لها، أو شبه ذلك، وتسعى لإبعاد كافة المنافسين عن المنطقة، ونجحت في إبعاد التأثير الأوروبي القوي. بل استخدمت دول هذه المنطقة لتقويض أي دور أوروبي جديد محتمل.

من جهة ثالثة، فإن لدى أوروبا، دوماً، مخاوف من تجدد النزاع في البلقان، وتحديداً على أسس عرقية-دينية، ما ينذر بانتشار فوضى النزاعات الإثنية في عموم المنطقة، وبما لذلك من تداعيات سلبية حادة في كافة مناحي الاتحاد الأوروبي.

بالمحصلة، يمكن القول إن البلقان يعيش حالة استقرار، مرتبطة بالأساس بالوضع الدولي، أكثر منه بالوضع المحلي.

ولعل أبرز أزمات البلقان الظاهرة منذ نهاية العام الماضي، وامتداداً لأزمات انهيار الاتحاد اليوغسلافي، تلك الأزمة التي ابتدأتها صربيا بالضغط الدولي لسحب الاعتراف باستقلال كوسوفو وحشد تأييد دولي لمنع انضمامها إلى المنظمات الدولية، ما أعقبه رد فعل كوسوفي، بفرض رسوم جمركية على السلع الواردة من صربيا والبوسنة والهرسك بنسبة 10٪ ثم رفعها إلى 100٪، فيما يشبه حرباً اقتصادية بين الطرفين، أعقبه إعلان كوسوفو تحويل قواتها الأمنية إلى جيش نظامي.

يترافق مع هذا المشهد، تعثر حاد في المفاوضات بينهما ضمن عدة طروحات، حول تبادل أراضٍ على أسس عرقية-دينية، لإعادة ترسيم حدود البلقان إثنياً، عبر ضم شمال غربي كوسوفو ذي التركيبة السلافية الصربية الأرثوذكسية إلى صربي، مع منح مناطق ذات أغلبية ألبانية مسلمة لكوسوفو، بما ينذر بتفجر صراعات جديدة، وخصوصاً أن هناك أزمات مخفية، تظهر بوادرها بين حين وآخر، لناحية رغبة أطراف من صرب البوسنة (صربسكا) بالانفكاك عن الكيان البوسني والاتحاد مع صربي، عدا مع يظهر من أزمة ما تزال تتحضر بين صربيا وكرواتيا، هوياتياً أيضاً.

المواقف الدولية:

ويمكننا هنا أن نوجز المواقف الدولية في اتجاهات ثلاثة:

  • الموقف الأميركي والبريطاني: مؤيد لاستقلال كوسوفو، وتشكيل جيش مستقل، ورافض للرسوم الجمركية، وموافق على التقسيم على أسس عرقية إن اتفق الطرفان على ذلك.
  • الموقف الأوروبي عموماً: مؤيد لاستقلال كوسوفو، ورافض لتشكيل جيش مستقل ورافض للرسوم الجمركية، ورافض للتقسيم على أسس عرقية، ومعترض على تحركات صربيا في المحافل الدولية ضد كوسوفو.
  • الموقف الروسي: هو موقف يكاد أن يكون مطابقاً للموقف الصربي، بل وداعماً له للاستمرار على ما هو عليه، أي بذات الملامح الصربية: رفض استقلال كوسوفو حالياً، رفض تشكيل جيش، رفض الرسوم الجمركية، مزيد من الضغط الدولي، مع المطالبة بتبادل أراضٍ على أسس عرقية.

تسريبات الطرفين، حول آليات حل الأزمة:

هنا لا بد من التمييز بين ثلاثة اتجاهات رئيسة:

  • الاتجاه الصربي العام، وهو اتجاه موحد تقريباً، ويطالب بإجراء تبادل أراضٍ وإعادة رسم الحدود وفق معايير عرقية. (ما زال موقفاً نهائياً)
  • اتجاه الرئيس الكوسوفي، وهو اتجاه قريب من الاتجاه السابق. (موقف متردد)
  • اتجاه رئيس الوزراء الكوسوفي، وهو اتجاه رافض لذلك، حيث يقبل أحياناً بإعادة رسم حدود وليس عملية تبادل للأراضي وفق أسس عرقية، ويؤيده في ذلك غالبية القوى السياسية الكوسوفية، وإن كانت لم تستطع التوافق فيما بينها داخل البرلمان، حول إصدار قانون يمنع تبادل الأراضي، وذلك بسبب خلافاتها السياسية. (موقف شبه نهائي)

وفق هذه المعطيات فإن المشهد في غرب البلقان، يقع ضمن احتمالات عدة، لعل في مقدمتها، وعلى المدى القريب، الممتد حتى نهاية هذا العام، هو ثبات هذه المعطيات على ما هي عليه، دون وجود متغيرات طارئة، وهو الأكثر ترجيحاً حالياً.

وفي ظل هذا السيناريو، فإن المناكفات السياسية البادية، قد تستمر على ما هي عليه، مع صعود وهبوط حسب تدخل القوى الخارجية، لكنها تهدف إلى قبول اتفاق تبادل الأراضي على أساس عرقي، وهو ما يبدو حتى الآن الخيار الأكثر قبولاً من قبل الطرفين، ومن قبل روسيا والولايات المتحدة.

لكن ذلك لا يعني غياب مؤشرات، قد توحي بنذر اشتباك عسكري، أو تهديد بذلك، إلا أننا، وفي ظل المعطيات الحالية، لا نرجّح أن يحدث اشتباك فعلي، مع رغبة الطرفين الجادة بالاستفادة من الاتحاد الأوروبي ومشروع الانضمام إليه، وما يجنيه من منافع اقتصادية، تتطلع لها كافة الدول، وذلك كشرط ومكافأة معاً في حال استطاع الطرفان حل أزمتهما.

أما على المدى البعيد، فإننا نعتقد أن روسيا ستعمد إلى مزيد من التغلغل في صربيا، في مسارها نحو استعادة القطبية، وبما يترافق مع ذلك من تعمد إثارة النزعات العرقية في المنطقة، والاشتغال على دعم المتطرفين السلاف في عموم المنطقة.

لكن ذلك بدوره مرتبط بمدى قدرة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على ربط صربيا بمزيد من المنافع الاقتصادية.

عدا عن أن للصرب أنفسهم، نزعة استقلالية عن التحكم الروسي، وإن كانوا أكثر ميلاً لروسيا اليوم، إلا أنهم حافظوا على حيادهم تجاه الناتو، بل واشتركوا معه في عدة تدريبات، عدا عن رغبتهم الجادة بالانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وهو ما يعني وجود حدود ضابطة للتدخل الروسي في البلقان.

غير أن قيام متغيرات مفاجئة/دخيلة، يبقى حاضراً، من خلال قيام جماعات عرقية سلافية متطرفة بالتسبب بأزمة هوياتية في مناطق من البلقان، وتدفع إلى مزيد من التوتر الدولي في المنطقة، وخصوصاً إن قررت روسيا تفعيل مشروعها في المنطقة هذه، وقد عمدت روسيا في مناطق أخرى إلى الاستفادة من التيار القومي الموالي لها لتحقيق مزيد من النفوذ، كما في أوكرانيا ومولدوفا على سبيل المثال.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

18 مارس 2019