قياسا بالتحديات المستقبلية التي تواجه العالم اليوم، ينبغي على المجتمعات العربية المعاصرة أن تسابق الزمن، وأن تعمل الدول التي تمتلك ثروات وإمكانيات جيدة على تطوير بيئة التعليم، من أجل الوصول إلى مرحلة التفكير نحو المستقبل من خارج منظومة التراث الجامد. خاصة وأن ذلك التراث اكتسب التقديس الدائم وأدى إلى تعطيل التفكير وإلى إنتاج عقول متشابهة تكرر ما يقوله أنصار الحفاظ على تقديس التراث. بالإضافة إلى أن الجمود ساهم في الإبقاء على بيئة التطرف والتشدد، ومنح أصحابها مبررات لمواصلة تعبئة البسطاء والوصاية على عقولهم، واحتكار تفسير التراث وتأويل نصوصه بما يخدم استمرار هيمنة فئة متشددة دينيا.

صحيح أن هناك تحولات كبرى حدثت في المجتمعات العربية خلال العقود الماضية، لكنها أقرب إلى التحولات الشكلية لم تمسّ جذور تقديس التراث ولم تتطرق إلى إعادة صياغة الرؤية إلى الموروث بما له من تأثير على طرق التفكير. التحولات التي حدثت ظلت مقتصرة على مستوى الاستهلاك الاقتصادي وتطور الخدمات الصحية والحد من الأمراض الوبائية. كما انتشر التعليم الحديث والجامعات والمكتبات، وتوفرت فرص الابتعاث للدراسة في الجامعات الغربية. ورغم ذلك لا تزال المجتمعات في حالة استسلام لتقديس التراث ولا يوجد استعداد لفتح نقاش حول الجهود البشرية السابقة التي تركت لمن بعدها مجلدات أصبحت في نظر البعض ثوابت لا يمكن مراجعتها، ويُمنع التطرق إليها بالنقد بما يتفق مع تطورات الزمن الراهن.

إذا ما ظهرت مبادرة أو انتشر تصريح عابر يتعلق بهذا الشأن، قامت قيامة المتطرفين، وكل من يمنحون أنفسهم حق الوصاية على عقول الآخرين. والأمثلة على الهياج وردود الأفعال المتوترة تجاه أي محاولات لنقد التراث كثيرة. والمؤسف أنها ردود أفعال لا تصدر عن علم وفكر مستنيرين، بل يتحول الجدل إلى مناسبة لكي يستعرض المتطرفون انتشارهم ونفوذهم في بث التخلف والحفاظ على بيئة التشدد واستقطاب الجمهور باستثمار العاطفة الدينية. وحتى وسائل التواصل الاجتماعي التي انسحب الكاتب شخصياً منها، أصبحت مساحة للجدل دون وعي، ومن الصعب على فئة المتشددين أن يفقدوا البيئة المحافظة المنغلقة، لأن الانفتاح يترافق معه تطور في التفكير وزوال الوصاية الدينية وكل ما يتعلق بها من ممارسات كهنوتية وخداع باسم الدين. لذلك يحتاج المتطرفون إلى التقديس والانغلاق والجمهور الذي ينقاد وراءهم ويردد مقولاتهم الحماسية، التي في ظاهرها الحرص على الدين، بينما تخفي الهلع والخوف من خروج المجتمعات عن سيطرتها، وامتلاك رؤية منفتحة تقوم على التسامح والفهم الحضاري الإيجابي للدين.

وقبل أيام وجد المتطرفون على وسائل التواصل الاجتماعي فرصة ذهبية جديدة، كانوا يبحثون عن مثلها منذ زمن. وذلك عندما أثير موضوع الاعتماد المبالغ فيه على كتب التراث، ومن ضمنها كتاب البخاري. ويمكن التماس العذر لعامة البسطاء عندما يهبّون للدفاع عن الكتب التراثية، التي فهموا على مدى القرون الماضية أنها كتب مقدسة وغير قابلة للاجتهاد والمراجعة. لكن الملاحظ أن المتطرفين ينتهزون الفرصة للاستقواء بالجمهور وممارسة شحن عاطفي وسرد بكائيات تدعي الحرص على ثوابت الإسلام، بينما نعرف أنهم يستغلون مثل هذه المواقف للدفاع عن استمرار بيئة الجهل والتخلف، التي يحصدون في ظلها نوعاً من الوجاهة والسلطة الدينية والوصاية على عقول الناس.

أخطر ما في الجدل بشأن ضرورة إخضاع التراث للمراجعة، بروز حالة رفض من قبل رجال دين، تراودهم مخاوف من أن يفقدوا قدرتهم على التأثير في أوساط الجمهور. باعتمادهم على احتكار حق التفسير والتأويل، مع الترويج المعتاد لتقديس الاجتهادات السابقة والقول بأنها لا تحتمل النقد العقلاني.

وبعيدا عن اعتقاد المتشددين أن لديهم حق تمثيل الدين، لا شك أن كل إنسان عاقل يعتز بهويته الدينية التي تشكل منظومته الثقافية. وللإسلام هوية حضارية ذات وجوه إنسانية وثقافية متعددة، وليس كتلة واحدة صماء لا تقبل الاجتهاد والتعايش مع التعدد. وأبرز مثال على الوجه المعتدل والمشرق للإسلام ما تعكسه المجتمعات المسلمة في جنوب شرق آسيا من تميز وانفتاح وتطور اقتصادي وعلمي. فقد دخل الإسلام إلى تلك المناطق دون حروب أو فتوحات وغزوات، بل من خلال قابلية ذاتية للقبول بالآخر أدت إلى توطين الإسلام في مجتمعات كانت ذات أغلبية وثنية. وكان السلوك الحضاري للتجار العرب والمهاجرين إلى تلك المناطق وراء انتشار الإسلام. وحتى الآن لا يزال السلوك الحميد والصورة الحضارية للإسلام التي جسدها العرب في جنوب شرق آسيا من النماذج الراقية التي يتجاهلها البعض، ولا يستوعبون استمرارها كنموذج فريد في العالم الإسلامي.

لا شك أننا قد تأخرنا كثيراً في إعادة النظر تجاه التقديس الأعمى للتراث، وأصبح فتح هذا الملف ضرورة، لأن الزمن يتغير وكل مرحلة لها احتياجاتها وقوانينها، وما كان مناسباً للمجتمعات البسيطة منذ مئات السنين لم يعد كذلك، ولا بد أن يواكب الفكر الإسلامي المجتمعات المركبة بتعقيداتها المتزايدة في الوقت الراهن.

إن تقديس ما هو غير مقدس ظاهرة تتكرر في كل المجتمعات، يسندها التخلف والخوف من التغيير ومن تبعات المواجهة مع التيارات المستفيدة من الركود. وأعتبر أن الجدل الذي دار مؤخراً على مواقع التواصل الاجتماعي في الإمارات وامتد على مستوى منطقة الخليج، كان مفيداً وكاشفاً لحقائق كثيرة، أبرزها مخاوف المتشددين من أي جدل عقلاني يطال كتب التراث والمرجعيات التي يتم الترويج بشكل دائم لقداستها وعدم الاقتراب منها.

مثل هذه المعارك الفكرية كانت تدور سابقا على نطاق ضيق في الأوساط النخبوية والأكاديمية، لذلك لم تكن تؤدي إلى الضجيج كما يحدث اليوم في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ودخول الأفراد من كافة المستويات الثقافية للاشتراك في الجدل، والأغلبية يفضلون راحة البال وحصد الإعجابات، وفي سبيل ذلك يكررون العبارات التي يسمعونها عن التراث المقدس، ويساهمون دون وعي في خدمة جماعات متشددة، لا تريد لمجتمعاتنا في الخليج أن تنتقل بأجيالها المستقبلية إلى مستويات متقدمة من الوعي بواقعها وتحدياتها الحضارية التي تواجهها.

رابط المقال: بجريدة العرب. تقديس التراث فرصة ذهبية للمتطرفين

بقلم: د. سالم حميد

18 مارس 2019