لا بد أن المحامية الإيرانية الحرة نسرين ستوده سببت القلق لنظام الولي الفقيه، لذلك عاقبها بقسوة عندما صدر حكم بسجنها لمدة تقترب من أربعة عقود (38 عاماً) إضافة إلى الجلد الذي يذكر بعقوبات العصور الوسطى المظلمة.

عوقبت نسرين لأنها رفعت صوتها عالياً أمام المحاكم الإيرانية، ودافعت عن نساء إيران، وعن كل من يعارض نظام الولي الفقيه الكهنوتي. ويبدو بوضوح أن الحكم المشدد ضدها كان متعمداً، بهدف ترويع كل من يفكر في معارضة النظام أو يدافع عن المعارضين ويبرر شجاعتهم.

نسرين ستوده تستحق التحية على شجاعتها. ولو أنها كانت في بلد آخر غير إيران لأصبحت أيقونة في وسائل الإعلام، كغيرها من الناشطات المتميزات اللواتي يحصدن الجوائز العالمية الشهيرة. لكنها نجحت في حصد احترام وتعاطف الناس والجوائز معاً.

فهل هو الغباء أم التشدد والاحتقار الذي يوجه سياسة القضاء في إيران. إذ كان الاجدر بنظام يعاني القطيعة والعقوبات الدولية والسمعة السيئة، أن يرتدي على الأقل قناع الفخر بامرأة مدافعة عن حقوق الإنسان وحائزة على واحدة من أرقى الجوائز العالمية، أم أنه كان على نسرين أن تكون ناشطة إخوانية مثل توكل كرمان، لكي تحظى بكلمة تشجيع وابتسامة مجاملة صفراء، كما فعل وزير خارجية إيران جواد ظريف مع الناشطة الإخوانية اليمنية في أحد المحافل؟

لقد عوقبت نسرين من قبل محكمة إيرانية بالسجن لمدة 38 عاماً بالإضافة إلى 148 جلدة. كل ذلك لمجرد أنها ترافعت أمام القضاء الإيراني غير العادل، ودافعت عن امرأة أخرى، تهمتها أنها خلعت حجابها في الشارع أثناء مظاهرة، للتعبير عن رفض قطاع واسع من الإيرانيين للكبت والظلم والقهر.

38 عاماً يتم تهديد نسرين أنها سوف تقضيها في السجن، وعمرها الآن 55 عاماً، أي أنها لن تغادر السجن إلا عندما تكون قد بلغت 93 من عمرها. لكن المحامية الشجاعة واجهت العقوبة الظالمة بالتخلي عن حقها في الاستئناف، لأنها لا تريد أن تمنح قضاء الولي الفقيه مدخلاً قانونياً شكلياً، يفيد باعترافها ضمنياً بالحكم الصادر بحقها.

حالة نسرين تكشف الكثير من المستور، فإذا كانت تنتمي لشريحة النخبة التي تعرف القوانين والحقوق الطبيعية وتعرضت لهذا الظلم، فما الذي يحدث مع البسطاء والمقهورين الذين يصرخون بعيداً عن أعين الكاميرات وأخبار الصحف ووسائل الإعلام.

سبق أن سُجنت نسرين عام 2010 بتهمة إهانة المرشد علي خامنئي، إضافة إلى اتهامها بنشر دعايات تضر بالأمن القومي حسب توصيف السلطات الإيرانية. ثم أطلق سراحها ونالت جائزة ساخاروف لحرية الفكر والتعبير من قبل البرلمان الأوروبي. ومن المفارقات أنها لم تحضر حفل استلام الجائزة بسبب منعها من السفر.

تذكرنا نسرين ستوده بالمحامية الإيرانية الحاصلة على جائزة نوبل شيرين عبادي. ولأن قسوة النظام الإيراني تعود عليه دائماً بالكوارث وتضعه في خانة الغباء، لا نستبعد أن تتطور قضية نسرين ستوده، وأن تلهم الكثير من نساء إيران المضطهدات، اللواتي يعانين القهر ويتقدمن الصفوف، في كل المظاهرات الغاضبة والاحتجاجات التي تنتظر سبباً لتندلع من جديد.

إن من يقرأ تاريخ جغرافيا حضارات آسيا القديمة، يستغرب عندما يجد أن حضارة بلاد فارس انتهت بتمكين مجموعة من رجال الدين من الهيمنة على الحكم والثروة، وصولاً إلى التحكم بمستقبل شعوب إيران والقوميات التي تتكون منها.

كان من المتوقع بل من الطبيعي أن يحصل الإيرانيون على نظام حكم أكثر انفتاحاً، وعندما يتحقق هذا الأمل الذي يراود الأحرار في إيران، لن تحتاج الحكومة الإيرانية ساعتها إلى إيهام شعبها أن بلدهم محاصر بالأعداء من كل جانب. لأن مثل هذا الشعور الذي يروج له ملالي إيران في الوقت الراهن، ينبع من حاجتهم إلى تصدير أيديولوجيا الثورة الرجعية، المعرضة للانهيار من داخل بيئتها، لذلك لا يتوقف المستفيدون من النظام الديني القائم في طهران عن محاولة تعميم تجربتهم.

أقرب دولة مجاورة لن تسمح لها إيران بامتلاك نظام علماني حديث هي العراق. لأن إيران تخشى عدوى الحرية، ونلاحظ أن الرئيس الإيراني حسن روحاني في زيارته مؤخراً إلى العراق، كان حريصاً على مقابلة رجل الدين الشيعي السيستاني، الذي يمثل عملياً دور المرشد الروحي لشيعة العراق. وبالتالي لن نستغرب إذا نقلت لنا الأخبار أيضاً في المستقبل سيناريو محاكمة (نسرين) أخرى من العراق. فكل بلد تصل إليه أصابع النظام الإيراني سوف يكون بحاجة إلى أكثر من نسرين للوقوف في وجه الظلم والتخلف والغباء المقدس الذي يرتدي العمائم.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

20 مارس 2019