حسمت موريتانيا أمرها، واختارت باستعدادها المبكر للانتخابات الرئاسية القادمة أقصر الطرق، المؤدية إلى تأمين شرعية الاستقرار، وترسيخ الثقة بجدوى الإبقاء على إرث المرحلة السابقة، مع فتح أفق للتجديد والمراجعة، وطمأنة الشارع الموريتاني، الذي يحلم بقطف المزيد من ثمار التنمية، ولكن من دون أن يكون مضطراً إلى التخلي عن حقه في اختيار قيادة جديدة للبلاد.

مرشح الأغلبية

يستعد الموريتانيون للمشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة المقررة في منتصف العام الحالي. والتي تجري في ظل أجواء عربية تفتقد للحكمة والروح السياسية الإيجابية، ولا تزال حتى اليوم ملبدة بغيوم الفوضى والصدامات العمياء، مما يرجح أن تحظى الانتخابات الموريتانية باهتمام استثنائي، يجعل المتابع ينظر إليها كبقعة ضوء في محيط معتم.

إذن ستكون موريتانيا في يونيو القادم أمام عدسة مكبرة. وقبل موعد الاستحقاق الانتخابي، وضحت الصورة لدى الموريتانيين، وانتهت حالة مؤقتة من الغموض، بعد أن كانت التوقعات تذهب إلى أن الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد عبدالعزيز قد يجري تعديلاً على الدستور، ليضمن الترشح للرئاسة للمرة الثالثة. لكنه لم يفعل، وأفسح المجال لمرشح جديد من داخل مؤسسة الجيش أيضاً، لكن شخصيته تحظى كما يبدو بإجماع يتزايد ولا يكف عن النمو. وبهذا الامتياز يتموضع في خانة مرشح الأغلبية.

وبذلك أصبح وزير الدفاع السابق، محمد ولد الشيخ محمد أحمد، الملقب “ولد الغزواني”. مرشحاً عن الحزب الحاكم، وعن المتحالفين معه، وكذلك من غادروا المعارضة المنقسمة وانضموا إلى صف المرشح الجديد، تحت إغراء أن ولد الغزواني يمثل الامتداد الطبيعي لعهد اتسم باستقرار نسبي، ومن المنطقي أن يحظى بتأييد الأغلبية، بينما لا تمتلك المعارضة بديلاً مقنعاً أو على الأقل مجسداً لتوجه سياسي متجانس ومتحد الرؤى.

رهان على الحصان الرابح

يراهن المؤيدون لانتخاب ولد الغزواني على فوزه بالأغلبية، لأسباب عديدة، أهمها التوافق والإجماع الذي تحقق لدى مختلف الأطراف حول شخصيته. إلى جانب تميز مفردات خطاب ترشحه، الذي بعث من خلال كلماته رسائل إيجابية وحزمة وعود بإصلاح أي أخطاء للعهد السابق، دون أن ينفي صلته بذلك العهد أو يتنكر له، وهذه النقطة وجدت صدى جيداً وتطابقت مع رغبة الملتفين حوله في الحفاظ على الخطوط العامة لإرث النظام، الذي قاد موريتانيا بعقلانية إلى السكينة المنتجة للأمل وليس إلى الركود.

توحي صورة المرشح الرئاسي الأبرز في موريتانيا، بأن المؤسسة العسكرية هناك تؤدي – بحذر وبغطاء دستوري – وظيفة حراسة العملية السياسية وحماية مسار السلم، بالاتكاء على توافق ضمني ملموس في أوساط النخبة السياسية المدنية. وبمراعاة الدستور الذي يشترط أن يتولى الرئيس منصبه لدورتين انتخابيتين فقط، تم اتخاذ قرار الدفع بمرشح يضمن تأييد الأغلبية، حتى لا تبقى موريتانيا تنتظر الحل من المجهول، وأيضاً تلافياً لحدوث فراغ أو قفز على الدستور، أو تعديلات تفتح الأبواب أمام اضطرابات لم تعد مقبولة تحت أي شعار.

شرعية عنوانها الاستقرار

منذ أن أصبح الاستقرار بالمعنى الشامل جوهرة ثمينة ومفقودة في الجغرافيا العربية، صار بالإمكان القول إن أي عملية انتخابية قادرة على تأمين شرعية الاستقرار الآمن، وغير الــمُــقـــــنَّــــع بالعنف والترهيب، تعتبر غاية مطلوبة في الوقت الراهن. ومن هذه الزواية سوف يتم النظر محلياً وإقليمياً إلى الانتخابات الرئاسية الموريتانية.

في هذا السياق نجحت الشخصيات المؤيدة للمرشح الرئاسي في استقطاب أغلبية الوسط السياسي الموريتاني ونخبته الحزبية. وساعد على ذلك القدر المعقول من الاستقرار المشهود، في ظل تفاعل دولي مع القيادة الموريتانية، على خلفية دور الجيش في مكافحة الإرهاب، بالشراكة مع جيران موريتانيا، لمواجهة الخطر الذي تراقبه الدول الغربية في بلدان منطقة الساحل الأفريقي، وفي المناطق الصحراوية الشاسعة المشتركة بين موريتانيا ومالي، والتي تسهل من عمليات تخفي الإرهابيين وترتيب صفوفهم.

لعب النظام الموريتاني على وتر تحقيق المكاسب من وراء علاقات خارجية متوازنة، تتجه نحو التركيز على المصالح وجني الثمار الاقتصادية. وقبلها عمل الرئيس محمد ولد عبدالعزيز على التقيد بالانتخابات، وهي الأداة الشكلية التي ترضي الغرب من جهة، وتلجم المعارضة المنقسمة والمتشظية إلى عشرات الأحزاب والتكتلات المحكومة بانشقاقات دائمة.

وإذا كان العالم يتوجس من ظهور نقاط ساخنة على الخريطة الدولية وبخاصة في الشرق الأوسط، يمكننا القول إن موريتانيا سوف تحافظ خلال المستقبل المنظور على استقرارها النسبي، المسنود بخطوات تنموية تتقدم ببطء، لكنها تمنح أهل موريتانيا القليل من الرضا، وهذا ما تبحث عنه نفوس من يتشربون ثقافة الصحراء التي تعين على الصبر ومجالدة الواقع بحكمة وقناعة.

من زاوية أخرى، يمثل تميز التدين في موريتانيا ببعده الصوفي تجربة روحية جديرة بالتشجيع والعمل على استثمار معطياتها، والاستفادة مما تختزنه من طاقة لتحصين العقول من التطرف ومن الفهم المتشدد للدين. وهذا المحور الهام يستدعي من أصدقاء موريتانيا دعم قطاع التعليم، وعدم ترك الساحة الموريتانية متاحة أمام بذور التطرف الوافد الذي لا ينسجم مع نهج وطرائق التدين لدى غالبية الموريتانيين.

في الشق الاقتصادي والمعيشي للسكان، لا شك أن ضغف المعارضة وتشتت صفوفها وافتقادها لرموز مؤثرة قادرة على تحريك الشارع، يسهم في منح النظام الموريتاني مساحة من الاسترخاء والشعور بالثقة. وذلك يستدعي وضع سيناريوهات مستقبلية أكثر احترازاً وتحوطاً. وبخاصة أن عدوى الاحتجاجات التي اندلعت في المنطقة العربية منذ أواخر العام 2010 ابتداء من تونس، قد تجد طريقها إلى موريتانيا من مداخل اقتصادية، مع وجود النموذج الجزائري الذي يتململ بين فترة وأخرى في الجوار، وكذلك ما يحدث في نطاق الريف المغربي المهمش.

ما سبق يستدعي من أصدقاء موريتانيا الدفع باتجاه استدامة الاستقرار في نواكشوط، ولكن ليس من خلال الاكتفاء بامتداح المسار السياسي وجاهزية القيادات الموريتانية للتعاون الإيجابي مع العالم، بل ينبغي أن يتوازى مع مراقبة المشهد السياسي الموريتاني تقديم المزيد من الدعم للحكومة، ومعالجة إشكالية انهيار التعامل بين البنوك الأميركية والموريتانية، وفتح آفاق استثمارية لدعم التنمية، وقطع الطريق أمام أي احتمالات قد تنذر بأي مستوى من التدهور، أو فشل الدولة في الوفاء بوعودها وتنفيذ برامجها المعلنة. لأن المنطقة لا تنقصها بؤرة جديدة للفوضى والعنف.

ختاماً تبدو الصورة العامة للمشهد الموريتاني مستقرة، وتمضي بثقة في اتجاه رسم ملامح تجربة ناجحة في احترام الدستور والتقيد بفترة الرئاسة. كما أن الاجماع الذي برز حول شخصية المرشح الرئاسي في الوسط الموريتاني بشقيه الموالي والمعارض، يعزز من شرعية نتائج الانتخابات المقبلة، وهذا يحسب للتجربة الموريتانية ويضاف إلى رصيدها.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

21 مارس 2019