يمثل الانفتاح الفكري والاجتماعي أساس تميز الإمارات وخصوصيتها في المنطقة. ومن يحاولون الترويج لثقافة الانغلاق والتشدد يفشلون حتماً، لأنهم يسيرون عكس التيار السائد في الدولة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتوجهات الرسمية.

لكن هناك من يهرفون أحياناً على مواقع التواصل الاجتماعي بما لا يعرفون، وخصوصاً عندما يتم الحديث عن مصطلحات فكرية ذات جذور فلسفية، مثل الليبرالية والعلمانية. فقد يظن البعض أنها مفردات عابرة تشكلت حديثاً، وأن بإمكان أي معارض لها أو رافض لمضامينها أن يقوم بالتشكيك فيها من زاوية فهمه الضيق. وأول ما يتبادر إلى أذهان البعض توجيه سهام النقد للأفكار والتوجهات الليبرالية من منظور الأخلاق والقيم، وهذا سلاح العاجز وغير القادر على النقاش واستيعاب معاني المصطلحات والمفاهيم التي ينتقدها بأسلوب الإقصاء والنفي والتحريم.
ولا ننسى دور انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة حصول الجميع على نوافذ وصفحات مجانية، يعبرون من خلالها عن آرائهم تجاه كل شيء، ويساوون بين الحديث عن وصفات الطبخ ومناقشة مفاهيم مثل العلمانية، وتقييم اتجاهات فكرية واقتصادية، لم يسمعوا عنها إلا انطباعات سلبية خاطئة يروج لها دعاة الإسلام السياسي.
ومن أسوأ أساليب النقد التي تواجه الأعمال الأدبية أو الأطروحات الفكرية الشائعة، ذلك النقد الذي ينطلق من زوايا أخلاقية، عندما يرفع في وجه من يختلف معه لائحة اتهامات وافتراضات غير منطقية، بهدف إغلاق باب النقاش ومحاولة إسكات الطرف الآخر. ولا يجد أنصار هذا التوجه سوى حيلة واحدة، هي إشهار الورع وادعاء حماية الفضائل والأخلاق الحميدة. رغم أن القيم الأخلاقية محفوظة ولا أحد يمسها. كما أن الليبرالية والعلمانية ليست كما يدعون رديفة للانحلال والتفسخ الأخلاقي. فالعلمانية تنادي بفصل الدين عن الدولة، مع حماية حرية التعبد. والليبرالية اتجاه فكري سياسي واقتصادي يقوم على الحرية، ولا يعني ذلك أن تكون الحرية منفلتة ومن غير ضوابط قانونية. وعندما يخرج شخص ليدلي بآراء غريبة تسيء إلى ثوابت قائمة في دولته، فإن ذلك يكشف عن انغلاق يخصه بمفرده، ولا ينطبق على بيئة الإمارات. ومن ينطلق في نقده للفكر العلماني والليبرالي من زاوية منغلقة يكشف عن جهل المتحدث أكثر مما يقنع المستمع.
وبين فترة وأخرى نشهد في مجتمعاتنا الخليجية حوارات طبيعية، تدور حول المستقبل والتحولات التي تفرض نفسها على الواقع. فدول الخليج حالياً لم تعد من الناحية الثقافية والاجتماعية كما كانت في السابق قبل أربعة عقود. ولا شك أن انتشار التعليم الحديث وحركة الابتعاث للدراسة في الخارج، أسهمت في تطوير رؤية الأجيال الجديدة للمستقبل، ولأسلوب النقاش حول الأفكار والاتجاهات المتعددة، وتجلياتها مجسدةً في الواقع من حولنا.
صحيح أن البعض يدرس في الغرب، ويبقى منغلقاً على ذاته، ومحصوراً ضمن مجموعة أصدقاء محافظين من بلده، ولا يفكر بارتياد المكتبات وإضافة معارف جديدة إلى وعيه، تتجاوز منهج الدراسة والتخصص الأكاديمي. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ثمار التعليم العالي لم تخلق جيلاً حديثاً لم يعد من السهل خداعه وإقناعه بأن الانحلال والفساد الأخلاقي هو المعادل الموضوعي الملازم حتماً للحداثة والانفتاح.
على العكس من ذلك، نلاحظ أن اعتياد مجتمع الإمارات على التعايش المبكر مع مختلف الجنسيات العالمية، يسهم بشكل إيجابي فعال في دوام التعايش والتسامح وازدهار حركة السياحة، ويظهر المواطن الإماراتي أمام الزوار بشكل حضاري ومنفتح يلفت انتباه الآخرين، ويكسر الصورة النمطية التي تكرست في أذهانهم عن المجتمعات العربية.
وإضافة لما سبق، أعتقد أن النقاشات العامة حول المفاهيم الفكرية، تدل على أننا شعوب ومجتمعات حية، وأننا في الإمارات والخليج عامةً نتقدم باستمرار، وكل حوار مهما اختلفت الأرضيات الفكرية لأطرافه، يؤدي مع الزمن وبالتراكم إلى التطور وإلى مزيد من الانفتاح وتقبل وجهات النظر. وبالحوار ومحاولة الفهم تضيف المجتمعات إلى مخزونها معرفة أكثر واستعداداً أقوى لمواجهة المستقبل.
أما الذين يصرون على التقوقع وترويج معلومات خاطئة للتشكيك في قناعات الآخرين، فلن يجدوا من يصدقهم، إلا القليل من البسطاء الذين ينجرفون وراء العاطفة، ولا يريدون منح أنفسهم فرصة مراجعة ما يتم غرسه في عقولهم بالتلقين الأعمى.

رابط المقال: بجريدة الاتحاد. انفتاحُ الإمارات.. سرُّ تَطوُّرِها

بقلم: د. سالم حميد

24 مارس 2019