كانت موجة التشدد التي طبعت سنوات الثمانينيات وما بعدها من القرن الماضي قاسية على المجتمعات العربية، وسمحت بهيمنة خطاب ديني متزمت. كما أتاحت للمتشددين الوصاية على مناهج التعليم ومنابر المساجد والبرامج الدينية في وسائل الإعلام. لذلك احتجنا إلى عقود من الزمن، لكي نعرف أن مواجهة التطرف تتطلب التوعية وانتهاج الفكر المستنير، واستثمار الاستعداد الفطري لدى المجتمعات للتسامي بالقيم الإسلامية، وتحويلها إلى سلوك حضاري يمتاز بالتسامح والقبول بالاختلاف ونبذ التعصب والعنف. ويكفينا ما مضى من وقت كان المتطرفون لا يجدون فيه من يحاسبهم على المتاجرة بالدين. فبعد أن أصبح الإرهاب ظاهرة عالمية، لابد من المراجعات الجادة، بهدف تجفيف منابع التطرف، ومنع تكرار صناعة أيديولوجيا العنف والترهيب. والآن أصبحت الجهود الرسمية في هذا الإطار مسنودة باعترافات من قبل بعض الرموز الدعوية التي شاركت في التحريض على التطرف باسم الصحوة. ومؤخراً أعلن الداعية عائض القرني أن «الصحوة» كانت تحدث شرخاً في المجتمع وتعمل على تصنيف الناس إلى ملتزم وغير ملتزم، اعتماداً على المظاهر الشكلية وحدها. وهذا التوصيف الناقد يفتح ملف التطرف وخلفياته، وليس من العيب التراجع عن الخطأ بل العيب الاستمرار في ممارسته.

وعندما نتأمل الأسباب والعوامل التي وفرت بيئة ملائمة شجعت على انتشار التأويلات المتطرفة للنصوص الدينية، وصوّرت الالتزام الديني كمعادل للانسلاخ عن المجتمع وتكفيره، نجد أن هناك ثلاثة أحداث مفصلية وقعت كلها في عام 1979، وهي الثورة الإيرانية ذات الخلفية المذهبية المتعصبة، التي فتحت المجال أمام انفجار تطرف ملالي إيران للسيطرة على الحكم في واحد من أكبر بلدان العالم الإسلامي، بقيادة الخميني آنذاك. وكذلك حادثة جهيمان الذي قاد عملية الاستيلاء المسلح على الحرم المكي. ثم الغزو السوفييتي لأفغانستان، وما تلاه من «قوافل الجهاد» التي انتجت بعد ذلك إشكالية «الأفغان العرب»، ثم تنظيم «القاعدة»، وصولاً إلى تنظيم «داعش».
تلك الأحداث الثلاثة انعكست بشكل مؤثر وخطير جداً على مسألة انتشار التطرف على المستويين النظري والسلوكي، كما عملت على صياغة الخطاب الديني المتشدد والتغلغل في وعي شرائح واسعة. وبلغ التطرف ذروته الأولى بعملية اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات في 6 أكتوبر 1981. ثم تعاقبت العمليات الإرهابية والتشكيلات التنظيمية المتنوعة التي خرجت من معطف تنظيم «الإخوان» الإرهابي. إلى أن أصبح الإرهاب ظاهرة لصيقة بالمسلمين، ونتجت عن ذلك تداعيات أمنية فاقمتها أحداث 11 سبتمبر 2001، التي أنتجت بدورها ظاهرة الإسلاموفوبيا في الغرب.
وبالنظر إلى الكوارث التي نجمت عن التطرف والغلو الذي تسببت فيه أساليب وأفكار الوعاظ خلال تلك السنوات، فإن التراجع عن مضامينها المتشددة هو عين الصواب، ويمثل تحولاً إيجابياً من شأنه أن يحمي الأجيال القادمة من التطرف، ويعيد بناء ثقافة التعايش والتسامح ونبذ العنف. لكن الاعتذارات وحدها لا تكفي، لأن ما بذرته فترة الغلو تحول إلى حصاد مر. لذا لابد من تفعيل خطاب التنوير. ومما يشجع على ذلك أن المجتمعات العربية كانت قبل عام 1979 بعيدة عن التشدد، لكن ثورة الخميني التي كشرت عن أنيابها دفعت إلى تفعيل مرجعية دينية مضادة لها، فتمت مواجهة التطرف الإيراني بتطرف آخر موازِ له، خاصة بعد أن أقر الدستور الإيراني تصدير أيديولوجيا الإسلام السياسي الشيعي. وقد أثبتت التجارب أن الأيديولوجيا الدينية انفعالية وعاطفية، وكان يفترض أن تتم مواجهة التطرف الإيراني بالفكر المنفتح. فكل تطرف عندما يقابله تطرف مضاد يجد فيه وقوداً يستخدمه لكي يواصل الاشتعال.
وبالعودة إلى الاعتذار الذي أعلن عنه أحد رموز ما يعرف بفترة «الصحوة الإسلامية»، يمكن اعتباره مؤشراً إيجابياً للبناء عليه. لكن الصحوة الحقيقية تتطلب غرس مفاهيم الاعتدال وترك الناس يعيشون بسلام دون وصاية أو إرهاب وتضييق على سماحة الدين.
ولا ننسى أن فكر التطرف والغلو وجد بيئة مناسبة، عززتها أساليب التهاون من قبل بعض القائمين على الإعلام، خاصة أولئك الذين يتيحون الفرص لظهور المتاجرين بالدين، ممن تحولوا إلى نجوم فضائيات، بينما هم يروجون لخطاب شعبوي يخلو من العمق والقيمة الفكرية، ويعتبر الوعظ الديني مجرد طريقة للشهرة ووظيفة سهلة ومربحة.

رابط المقال: بجريدة. الاتحاد حول الاعتذار عن «الصحوة»

بقلم: د. سالم حميد

12 مايو 2019