لقد استقبلت بريطانيا وألمانيا حركة الإخوان المسلمين من نهاية الخمسينات لغاية السبعينات بعد أن قام الرئيس جمال عبد الناصر في فترة الخمسينات بملاحقتهم بعد توتر العلاقة معهم نتيجة لعدة أسباب أهمها محاولة الإخوان اغتيال جمال عبد الناصر وفي السبعينات قام حافظ الأسد بحربه ضد الإخوان المسلمين في عموم سوريا وفي مدينة حماة التي قام بتدميرها على سكانها. وقد انتشر الإخوان المصريين والسوريين   بشكل عام في دول الخليج العربي وبريطانيا وألمانيا الغربية التي كانت بحاجة الى أدوات عربية في ذلك الوقت للضغط على الدول العربية من اجل إقامة علاقات دبلوماسية على غرار علاقات الدول العربية مع جمهورية ألمانيا الديمقراطية، ولجوء إخوان مصر إلى بريطانيا لم يكن من باب الصدفة لأن العلاقة التاريخية معهم  هي التي دفعتهم لذلك فمنذ فترة امتلاك بريطانيا الحصة الأكبر في قناة السويس وقصة تأسيس الجماعة في مصر مساهمة في الضغط على الحكومة المصرية في العهد الملكي للحفاظ على المصالح البريطانية في قناة السويس ومن ذلك التاريخ الطويل فقد فتحت بريطانيا  لهم أبوابها ومنحتهم تسهيلات كثيرة في كل المدن البريطانية وأما في ألمانيا فقد بدأ الإخوان المصريين في مدينة ميونخ جنوب ألمانيا وكان اختيارهم لمدينة ميونخ لكي يقومون بتغطية مناطق شمال إيطاليا وجنوب فرنسا والنمسا وسويسرا ودول الاتحاد السوفييتي السابق المجاورة لجنوب ألمانيا وفي السبعينات هاجر إخوان سوريا إلى ألمانيا واستوطنوا في مدينة آخن الحدودية  وكان اختيارهم لمدينة آخن أيضا لكي يقوموا بتغطية مناطق وسط ألمانيا وبلجيكا ووسط فرنسا وهولندا وحيث كان الانتقال في تلك الفترة بين دول أوروبا يحتاج الى فيزة بالنسبة لمواطني تلك الدول والتنقل بالنسبة الى اللاجئين كانت صعوبة بالغة وقد اعتمد الإخوان على الطرق غير الشرعية والتهريب للوصول الى الدول المجاورة لألمانيا. ومع مرور الوقت فقد انتشرت خلايا الإخوان المسلمين نتيجة لعمليات التفريخ وفتح المزيد من الجمعيات الإسلامية تحت غطاء خدمة الجالية المسلمة وقد استفادت أجهزة المخابرات الأوروبية المختلفة من الإخوان المسلمين في السيطرة على الجو الإسلامي العام في أوروبا والتعرف على أي تجمع أو حركة جديدة تظهر للعلن بين الأوساط العربية أو الإسلامية في أوروبا  ومنذ ذلك الوقت أصبحوا يتجسسون على كل من يدخل المساجد أو الجمعيات الخيرية الإسلامية وحتى التجمعات الطلابية فقد شملتها نفس التغطية وقد ازدادت أهمية الإخوان فاصبحوا مصدرا مهما  للمعلومات لمعظم اجهزة المخابرات الأوروبية للوصول الى أدق وأحدث المعلومات عن الدول العربية والإسلامية وفي فترة الثمانينات بدأت مرحلة تجنيد عناصر جديدة في أوروبا من الطلبة الوافدين أو من كانت له صلة عمل أو زيارة لأوروبا وعند ذلك بدأ جيل جديد من الجواسيس تحت مظلة الجمعيات الخيرية يظهر للعلن وخصوصا في دول الخليج العربي وذلك للطفرة العمرانية والتنموية الهائلة التي كانت في تلك المرحلة وكثرة الزيارات والاتصالات بين دول الخليج وأوروبا لمختلف الأسباب وهذا ما شجع الدول الأوروبية الكبيرة مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا لتشجيع فتح مراكز إسلامية للإخوان المسلمين للحصول على اكبر عدد من الجواسيس والاذرع المحلية داخل البلدان العربية.

لقد تم تأسيس اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا Federation of Islamic Organizations in Europe الذي يضم منظمات إسلامية في 30 بلدا أوروبا  في ألمانيا في الخمسينات من الطلبة المصريين ومن فلول الإخوان بعد هروبهم من مصر ومن أوائل قادة الاتحاد سعيد رمضان زوج إبنه إمامهم حسن البنا وسكرتيره الشخصي  ويعتبر اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا الجناح الأوروبي لحركة الإخوان المسلمين العالمية وتعتبر ألمانيا اليوم المركز الأقوى للإخوان المسلمين في أوروبا والعالم حيث بدأ تأسيس حركة الإخوان بسعيد رمضان سكرتير الذي وصل الى ألمانيا في بداية الخمسينات وانتقل الى جنيف في سويسرا ثم عاد ليكمل دراسة الحقوق في مدينة كولونيا الألمانية واسس التجمع الإسلامي والذي تراسه من 1958 – 1968 وكانت له علاقات متوترة مع الأوساط النسائية في أوروبا حاله حال ابنه الدكتور طارق رمضان الذي حكمت عليه محكمة فرنسية في نهاية 2018 بالسجن بتهمة اغتصاب عدة نساء.

ثم جاء القيادي علي غائب همت الذي خلف سعيد رمضان في رئاسة التجمع الإسلامي وهو رجل أعمال سوري يحمل الجنسية الإيطالية من 1973-2002 وقد كشفته أجهزة المخابرات في الكثير من دول العالم عن علاقاته بشبكات إرهابية كتنظيم القاعدة والإرهابي الجزائري المخضرم عباسي مدني وقد اعتبرته الولايات المتحدة الأميركية أحد الممولين الرئيسيين للإرهاب في العالم لكونه مؤسس بنك التقوى الذي كان يمد الإرهاب بالتمويل في كل أنحاء العالم. والجيل الثاني من الإخوان يترأسه إبراهيم الزيات الذي هو من أب مصري وأم المانية ومتزوج من صبيحة بنت اخت نجم الدين أربكان الإخواني التركي المعروف والذي يعتبر معلم وملهم أردوغان. واليوم هناك أكثر من 200 مركز إسلامي ومسجد ومدرسة تابع للإخوان المسلمين في ألمانيا حيث ينتشرون في 31 مدينة المانية. لقد كان للإخوان دورا رئيسيا ومهما في رفد أجهزة المخابرات الألمانية بأحدث التطورات خلال فترة الفوضى التي عمت خلال ما يسمى بالربيع العربي حيث كانوا جسرا للمعلومات والمندوبين الاستخباراتيين بين مصر وألمانيا.

في ظل ما تقدم ما هو مستقبل حركة الإخوان المسلمين في أوروبا؟ وكما أسلفت سابقا فان أول مدينة ألمانية يتم تأسيس فرع للإخوان فيها في الخمسينات هي مدينة ميونخ في اقصى الجنوب الألماني  وأول مدينة في ألمانيا تنقلب على الإخوان هي مدينة ميونخ حيث اصدر مكتب إدارة حماية الدستور ( المخابرات الألمانية ) في مقاطعة بافاريا ( ميونخ عاصمة بافاريا ) تقريرا  في نهاية نوفمبر 2018 يؤكد أن الإخوان المسلمين يمثلون خطرا على الأمن في ألمانيا عندها انتهت العلاقة الحميمية بين الدولة الألمانية والإخوان وأخذت كل الولايات تحذو حذو ولاية بافاريا من التضييق على الإخوان وحملات التفتيش عن الأسلحة والمخدرات في المساجد والجمعيات الخيرية وقد تعدى ذلك الى المنشورات الفكرية التي يتم ضبطها في تلك الأماكن، إن العلاقة بين أجهزة المخابرات والإخوان كانت صريحة وواضحة جدا فالتجسس على الدول العربية إحدى أهم واجباتهم وتجنيد الإرهابيين للقيام بعمليات إرهابية في مختلف دول العالم وتمويل وتدريب المنظمات الإرهابية في العالم العربي والإسلامي فماذا حصل لتلك العلاقة التي بدأت تتوتر منذ حوالي السنتين؟

إن انكشاف أوراق الإخوان المسلمين أمام الرأي العام في العالم العربي قد انعكس على انكشاف اوراقهم في أوروبا على الراي العام الأوروبي أيضا نتيجة لتطور وسائل الاتصال الحديثة والتواصل بين الشعوب الأوروبية والعربية وأخذت تتناقل أخبارهم بسرعة وخصوصا علاقاتهم بالإرهاب في العالم العربي مما وضع الحكومات الأوروبية وخصوصا البريطانية والألمانية والفرنسية “التي كانت تتبنى وترعى الإخوان المسلمين بدرجات متفاوتة ” وضع تلك الحكومات في مأزق حرج أمام الراي العام الأوروبي  وأمام البرلمانات الأوروبية إضافة إلى أن التطور في وسائل الاتصال وسهولة الوصول إلى المعلومات قد جعل أوروبا تتخلى عن الإخوان كجواسيس لها في العالم العربي بعد ان انقرضت مهنة الجاسوس التقليدي ، وأصبحت التسهيلات التي تمنحها الحكومات الأوروبية للإخوان وخصوصا الألمانية مصدر شك من قبل الجمهور ومما زاد الطين بلة هو دخول اردوغان بتصريحاته النارية على الخط مع الإخوان وتهديداته لأوروبا بأن له أذرع في كل أوروبا يمكن أن تتحرك للدفاع عنه إذا اقتضى الأمر وبدأ نشاط الإخوان في انحسار كبير ومستقبلهم يسوده الغموض نتيجة لخضوع كل منظماتهم للرقابة والمجال الوحيد الذي مازال مفتوحا لهم هو عن طريق تركيا التي دخلتها موجات كبيرة من فلول الإخوان الهاربين من مصر ودول الخليج العربي والذين اشتروا منازل فاخرة لهم هناك ونقلوا استثماراتهم الى داخل تركيا تحت حماية أردوغان وحزبه الذي يعتبر الفرع التركي للإخوان المسلمين.

اليوم برزت على السطح  تساؤلات كثيرة من الرأي العام الأوروبي لحكوماتها عن ماضي علاقاتهم بالإخوان المسلمين والعمليات الإرهابية التي كانت خلايا وتفرعات الإخوان تنفذها داخل وخارج أوروبا بدعم وتحريك من أجهزة المخابرات الأوروبية وخلال السنة الماضية بدأت أحزاب اليسار وأحزاب الخضر في أوروبا بمسائلة حكوماتها عن تلك العلاقة ومن ثلاث محاور، المحور الأول علاقة أجهزة المخابرات الأوروبية بالإخوان والتنسيق فيما بينهما في داخل وخارج أوروبا وما نتج عنه من تجسس الإخوان على مواطنين أوروبيين مسلمين من التضييق على حريتهم الشخصية ومنع فرص العمل والتعليم لهم نتيجة لتقييم الإخوان السلبي لهواء المواطنين  وذلك من فترة الخمسينات لغاية الآن مرورا بكل تاريخ تلك العلاقة والمحور الثاني كيف استعملت الدول الأوروبية الإخوان في تخريب المجتمعات الإسلامية داخل أوروبا وخلقت شعورا من العداء والكراهية للمسلمين الأوروبيين نتيجة للتطرف والأعمال الإرهابية التي نفذتها خلاياهم في أوروبا وفي مناطق مختلفة من العالم والمحور الثالث كيفية إعادة كتابة وإصدار كتب التاريخ والفقه الإسلامي في المدارس والجامعات الأوروبية والتي كتبها الإخوان خلال الستينات والتي كتبت بفكر الإخوان التكفيري المتطرف الذي كان يستند الى شعار اقتلوهم حيث ثقفتموهم  بحيث اصبح الطالب الأوروبي اليوم لا يعرف الإسلام إلا من وجهة نظر الإخوان المتطرفة  التي أصبحت منبوذة من المجتمعات العربية والأوروبية.

والموضوع الجديد الذي أخذت الأوساط البرلمانية الأوروبية تتناقله اليوم هي العلاقة الثلاثية التي تجمع بين الاستثمارات القطرية في أوروبا وجماعة الإخوان المسلمين والشركات والبنوك الكبرى  وكيف تسللت الاستثمارات القطرية الى الاستثمار في تلك الشركات والبنوك وعمليات غسيل الأموال وتمويل الجماعات المتطرفة في أوروبا والعالم ” وكما هو معروف فان نشاط الإخوان الاقتصادي يتبع أسلوب الكارتل الاقتصادي السري حيث يتم تأسيس مشاريع اقتصادية تدار من قبل الإخوان بشكل سري عن طريق قيادات خاصة تسمى قيادات الظل الاقتصادية تقوم تلك القيادات بالانفصال عن جسم الإخوان الرئيسي وتنظيماته وتبقى على علاقة خيطية مع القيادة العليا، وما هي الجهات المسؤولة عن تلك العلاقات الغامضة والمشبوهة والتي أدت الى أن يصبح المال القطري المشبوه يتحرك وينمو بحرية في أوروبا وألمانيا بالذات ويصب في النهاية في اعمال غير قانونية وتمويلات لتنظيمات متطرفة او لتمويل حروب تهدد دول العالم المختلفة وقد أدى ذلك الى خسائر مادية ومعنوية كثيرة وتراجع السلم الأهلي في أوروبا والعالم وظهور تنظيمات وأحزاب أوروبية يمينية ونازية كرد فعل على حركة الإخوان وعلى الحرية الغير منضبطة للاستثمارات القطرية مما يؤثر سلبا على المستقبل الاقتصادي والاجتماعي في أوروبا وقد وصلت تلك الأحزاب الى البرلمان والى السلطة كما في إيطاليا والنمسا وهنغاريا.

لقد شرح الباحث الألماني غيدو شتاينبيرغ في كتابه الأخير الغرب والإخوان بعد ثورات الربيع العربي العلاقة بين الحكومات الألمانية المتعاقبة وحركة الإخوان المسلمين وذكر أهم الجوانب الرئيسية في تلك العلاقة لكنه لم يتطرق إلى العلاقة بين الإخوان والجمهور الألماني الناطق بالعربية حيث ان كل الإعلام الألماني الناطق بالعربية من صحف ومواقع انترنيت وحتى التلفزيون الألماني الرسمي الناطق بالعربية المعروف ( دويتشة فللة ) وموقع وزارة الخارجية الألمانية العربي ( قنطرة )  مسيطر عليه من قبل الإخوان المسلمين الذين يمنعون نشر أو وصول كافة المعلومات التي لا تلائم خطهم السياسي إلى القارئ العربي الألماني  ويتبعون أسلوب التحريض المستمر على الأنظمة العربية التي لا تسمح للإخوان بالعبث بأمنها وسلامتها  وخصوصا التحريض ضد مصر والسعودية والإمارات ويكتبون بطريقة تخرج القارئ العربي عن حدود القانون باتباع بروباغاندا مدروسة ومواكبة لكل حدث في المنطقة العربية ويظهرون تحيزا كبيرا لقطر وإيران وتركيا ويتجاهلون ما يقوم به أردوغان من اغتصاب للسلطة وتحويل تركيا إلى دولة ملكية  ويغضون الطرف أيضا عن ما تقوم به حركة النهضة التونسية الإخوانية من تخريب لتونس والمساهمة الكبيرة في تدمير وتقسيم ليبيا  وخلاصة ذلك أنك عندما تقرأ في الإعلام الألماني الناطق بالعربية تعتقد للوهلة الأولى أنك تقرأ في صحيفة إخوانية في زمن الستينات من القرن الماضي وعندما تريد أن تكتب أي رد حالف لهم فيتم تجاهلك وعمل حظر عليك.

 لذلك يبقى من المهم إعادة تأسيس وتنظيم العلاقة بين الدول العربية وأوروبا بشكل عام وألمانيا بشكل خاص بعيدا عن تأثيرات الإخوان الاقتصادية والفكرية وتكون العقلانية والواقعية والمصالح المشتركة أساسا لتلك العلاقة.

الباحث: بسام شكري

22 مايو 2019