مقالات رئيس المركز

عندما تلهمنا جماعة الإخوان المتأسلمين!

لا ينكر عاقل بأن من حق جماعة الإخوان المتأسلمين علينا، أن لا ننسى فضلها الكبير في كتابة أكبر صفحات الحركات المتاجرة بالديانة الإسلامية تاريخاً، رغم قصر عمر تجربتها في الحكم، فما فعلته جماعة الإخوان المتأسلمين فيما نعايشه الآن من آثار الجحيم العربي، فاق عدد ضحاياه، ضحايا أكبر المعارك التي قادها أسلاف التنظيم ممن رفعوا راية محاربة مجتمعاتهم عبر اتهامها في دينها والتشكيك في سلامة ممارسة عقائدها، فالتيار الذي انتمى الإخوان المتأسلمون لجنسه ليس جديداً على ساحات التاريخ، لكن الرافضة والمشككين والمتشككين، والمتعمدين قلب التفسيرات الدينية سواء عن طريق تعارض الآيات بسبب أسباب نزولها، أو المواقف والمواقع التي نزلت فيها، وطبيعة الأشخاص الذين نزلت فيهم، أو عن طريق التفسير المطاطي لمعاني كلمات اللغة العربية التي تحتمل بعض الكلمات فيها الإشارة للشيء ونقيضه، أو التعبير عن أكثر من معنى مختلف، وانتهكوا حرمة الحديث الشريف، وأقوال وأفعال الأثر في محاولة ربطها بما تهواه نفوسهم التي ظلت تبحث على مدار التاريخ عن النزاع للوصول إلى السلطة، ففي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم برز بعض ممن أخطأوا سهواً أو عمداً تفسيرَ آيات الذكر الحكيم، ونزلت آيات عديدة لتصحيح مفاهيمهم، وخاض من بعده الخليفة الراشد، وأول حكام الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سيدنا أبوبكر الصديق رضي الله عنه، حروب الردّة ضدّ من سار على طريقهم الإخوان المتأسلمون ليعقبه عصر عمر رضي الله عنه، وما قام به أبو لؤلؤة المجوسي ثم عثمان ذو النورين، لتأتي بعد ذلك واقعة الاختيار بين سيدنا علي كرّم الله وجهه ومعاوية بن أبي سفيان، والتي كانت النقطة الأكثر بروزاً لملامح الإسلام السياسي، والذي زاد فيه معدّل الحرب والاقتتال بين المسلمين والمسلمين، ليهنأ الكفار قليلاً ويشتدّ عودهم، لتجيء بعد ذلك سلسلة الحروب التاريخية التي سطّرتها سطور التاريخ الإسلامي، والمنتهية في التسلسل بما تتناقله وسائل الإعلام في وقتنا الراهن.

ولعل جماعة الإخوان المتأسلمين كانت من أشدّ الجماعات فضحاً لملامح حركات الإسلام السياسي التي لو حاولنا قراءتها عبر التاريخ، رغم اختلاف الأزمنة والحقب وكافة المعطيات، نجدها تتشابه لدرجة التطابق المذهل في كثير من وجوه التشابه بما يمنع أي نوع من التشكيك في نسبها إلى بعضها، لبلوغ جيناتها حدّ التطابق في كثير من الأحيان. وبنظرة متفحصة لتاريخ هذه الجماعة في وجوهها المتشابهة مع غيرها من الحركات، نجد أن ظروف تكوينها، ومراحل نشأتها الأولى تحمل العديد من علامات الاستفهام، فهي كغيرها من حركات الإسلام السياسي بدأت بالسرية، ومن رجل جاء إلى منطقة نشأ فيها مهاجراً من مكان يشتهر بكثافة وجود اليهود، وأنها رغم محاربتها غير المسلمين في أرضها، كانت تتلقى الدعم المالي المنتظم منهم كحق مستحق، للدرجة التي يفاوض فيها مؤسسها على زيادة الدعم المخصص لحركته، ومقارنته بالدعم المخصص للجهات المضادة لفكره العقائدي. وأيضاً كغيرها من الحركات، نشأت حركة الإخوان المتأسلمين رافعة شعار الدين، ومدغدغة المشاعر العقائدية للمجتمع، وملهبة حماسته بشعارات برّاقة تمت صياغتها بعناية كبيرة، لا يجد معها المعارض للجماعة غير الإقرار بضرورتها، وأن تكتفي فقط بصياغة الشعارات دون أن تفصح عن كيفية تنفيذها. فمن السهل صياغة الشعارات، لكن الحرفية الحقيقية تكمن في إجادة رسم خريطة طريق واضحة لتحقيق تلك الشعارات، وهو ما تخبطت فيه جماعة الإخوان المتأسلمين ومختلف حركات الإسلام السياسي عبر التاريخ. وعبر تاريخها انتهجت حركة الإخوان المتأسلمين نهج العنف، وأدخلت للمجتمع الإسلامي ظاهرة الاغتيالات السياسية لغير السياسيين، كتفجيرات السائحين المختلفة وغيرها، وتفجيرات كينيا وأميركا وما لفّ لفّها، وتعمدت أيضاً أن تطرح الإسلام كمظهر لا كجوهر، فالاهتمام بالزي عند الرجال والنساء وحتى الفتيان والفتيات والأطفال، وإطلاق اللحى وتقصير الثوب، وما إلى ذلك من مظاهر، حرص عليها التنظيم طيلة مسيرته أكثر من حرصه على إقامة الصلاة والصيام، وكانت في الغالب أحد منافذه لنقد المجتمع، كما أنه درج على اتهام المجتمعات والأنظمة بكل ما فيه من صفات تعوّد إخفاءها، كالعلاقة بالأجنبي، والاستعانة به ضد بني القوم والملّة، وحقيقة الأمر أنه لا يريد لغيره أن تكون له علاقة بصانعيه حتى لا يفتضح أمره وينكشف قناعه. وفي حكم الإخوان لمصر أكبر دليل على ذلك، فحماية إسرائيل كانت هدفاً عمل له الإخوان بإخلاص، لدرجة أن مرسي ذهب بنفسه إلى أكثر من مكان لتذكير إسرائيل بعهودها معه، خاصة وأن «حماس» جزء لا يتجزأ من قبيلته السياسية الرافضة على مدار التاريخ، في الوقت الذي لم يحاول فيه أن يتحرك قيد أنملة في تنفيذ عهوده التي قطعها لشعبه في مئة يوم الأولى.

ويتجلى التشابه في أن هذه الحركات وأبرزها التنظيم الإخواني و«القاعدة»، تكفّر المسلمين، وتقوم بتجهيلهم جهاراً نهاراً، وترفع شعار آيات الوعيد، بينما تتجاهل تماماً آيات الرفق، والتي تختزنها لتدافع بها عن نفسها وتصرّفاتها أوقات الحاجة، فتقرأ آيات القرآن بلسان القرآن وكلماته، ولكنها تقرأه بتفسير غير التفاسير التي وردت، وعندما يتعارض الأمر مع تفسيراتها تلجأ لفقه الضرورة متجاهلة وجود حكم قاطع. فهي تتعامل مع الدين على أساس إدارة تجارية قانونية تعتمد على الثغرات القانونية لا الدستور، وبقدر الاستفادة من الثغرات القانونية بقدرما تتمكن من تنفيذ مآربها، فهي في ذلك تتعامل مع الدين معاملة المحامي الذكي مع القضية الموكلة إليه والتي يريد أن يكسبها رغم ضدّية كلّ الأدلة، وأن تجعل من تفسيرها للدين ديناً بديلا هو ذات الدين مع اختلاف العدسات في الأعين التي تراه.

وعلى مرّ العصور والأزمان دأبت تلك الحركات على محاربة مجتمعاتها، في الوقت الذي ترفع فيه شعارات محاربة الأعداء، وهو ما جعلها تمتطي عداوة ورفض المجتمعات على مدار التاريخ، وتحاول فرض حكمها بالقوة، ما يجعل نهاياتها دائماً كنهاية التنظيم الإخواني التي نشهد بدايات مراحلها جلية في الشقيقة مصر، وبقطع الجذور لن تعيش الشجرة طويلا.

 

مركز المزماة للدراسات والبحوث

بقلم: د. سـالم حميد

25 أغسطس 2013

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق