ملفات إيرانية

إيران والجديد في تجديد العلاقة بـ”القاعدة “: في دلالات حديث العدناني

 

لا يثير الحديث الذي صرح به أبو محمد العدناني المتحدث باسم (داعش) أي جديد، حول الانتقادات اللاذعة التي وجهها لزعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري، واعترافاته بالعلاقة بين إيران والقاعدة، الأمر الذي اعتبرته الكثير من وسائل الإعلام كشفاً بخصوص علاقة إيران بالقاعدة.


إن البحث في تتبع تاريخية العلاقة بين القاعدة وإيران، لاسيما في مراحل مابعد سقوط حكومة طالبان في أفغانستان، حيث وجدت قيادات التنظيم في إيران ملاذاً لها ولعائلاتها، بالإضافة إلى الكثير من وثائق المحاكمات القضائية،وحيثيات قوائم العقوبات على إيران، التي تكشف أن الحديث الذي جاء به العدناني إنما يأتي في سياق تكتيكي للعلاقة بين إيران والقاعدة التي تمر بمراحلها النهائية – كتنظيم عالمي، بقيادة مركزية، لتنتقل إلى مرحلة تتناسب والتركيبة المعقدة للنظام الدولي القائم على التواطؤ والتعاون الإقليمي بينها وبين تركيا، الذي تبلور في الحرب السورية اليوم، حيث عملت إيران على تصنيع واختراق الجماعات المسلحة، بعد أن سهلت تركيا عبورها الآمن إلى الأراضي السورية.


المتجدد في حديث أبو محمد العدناني، يضع علاقة إيران بالقاعدة في سياق يتناسب والدور الإيراني في إقليمها، لاسيما الصراع في سورية، الذي أصبح محوراً مركزياً لورقة التفاوض الإيراني، الأمر الذي يجعل من تصريح أبو محمد العدناني، يأتي في إطار احتمالين لا يخرجان عن طبيعة السياسة الإيرانية في صناعة العنف والفوضى، كسبيل وحيد للضغط على جميع القوى، بما في ذلك حلفائها.


الاحتمال الأول: لا يعدو حديث العدناني، مجرد استنساخ جديد لصناعة استخبارية إيرانية جديدة، تصب في إطار إقناع الرأي العام بعدم تبعية الدولة الإسلامية في العراق والشام لإيران، لاسيما بعد ممارسات " داعش" التي نسبت في مجملها لإيران، ودورها المركزي في الصراع في سورية، الذي أصبح واجهة للصراعات الدولية والإقليمية.


الاحتمال الثاني: لا يخرج هذا الاحتمال عن الدور الإيراني في دعم تنظيم القاعدة تارة، واختراقه تارة أخرى، إلى الحد الذي أصبحت فيه فروع القاعدة المصنوعة في إيران، تتفوق في سياساتها ودعمها اللوجستي على تنظيم القاعدة المركزي، مما يعني بداية النهاية لتنظيم القاعدة كتنظيم عالمي، وتحول جماعاته إلى مجموعات بأجندات متعددة، وايديولوجيات مختلفة، وتمويلات لا قبل لعناصر التنظيم بمعرفتها أو إدراكها، الأمر الذي أصبح معه التنظيم مجرد ظاهرة مستهلكة، لتحل محلها الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، بما لها من دور يتركز اليوم في قلب الصراع الدولي والإقليمي سورية، التي تحولت إلى ساحة لحرب عالمية ثالثة في إطار صراع موازين القوى الدولية.


في تاريخية العلاقة بين إيران بالقاعدة:

منذ العام 2001م قامت الحكومة الإيرانية بإرسال وفد إلى أفغانستان، للتوسط بضمان السفر الآمن لقيادات القاعدة وعائلاتهم إلى إيران.


وعملت إيران على نقل العديد من مقاتلي القاعدة بينهم قيادات من الصف الأول من تنظيم القاعدة، قبل أن تنجح في تأسيس فرع خاص بها في طهران عام 2002م لدعم التنظيم في أفغانستان وباكستان.


وكان حرس الثورة الإيرانية الجهة المسؤولة عن المجلسالتأسيسي للقاعدة في إيران، ويشير خبراء في شؤون الشرق الأوسط إلى أنه عقب الاجتياح الأمريكي لأفغانستان عام 2001 لم تفر عناصر القاعدة وعائلاتها إلى باكستان فقط، بل هرب المئات من أعضاء التنظيم وأسرهم إلى إيران، ويشير خبراء أمريكيون بشؤون القاعدة إن الإيرانيين "خلال عام 2009 و2010 قاموا بتخفيف قيود الإقامة الجبرية عن قيادات في تنظيم القاعدة، على ألاّ يخططوا لعمليات انطلاقاً من إيران أو داخل الأراضي الإيرانية.


وفي علاقة تبادلية في المصالح، حصل عناصر القاعدة من خلالها على حرية التحرك التي تخولهم جمع التبرعات والاتصال بالخلية المركزية في باكستان وتنظيمات أخرى تابعة للقاعدة في دول أخرى؛ ويلفت خبراء أمريكيون، أن السلطات الإيرانية كانت قد سمحت لمقاتلي القاعدة بعبور الأراضي الإيرانية، وهو ما أكده الرئيس السابق لإدارة مكافحة الإرهاب في المخابرات البريطانية ريتشارد باريت، الذي قال في تصريح لوكالة رويترز: " كانت هناك تحركات كثيرة بين العراق وباكستان ولا أستطيع أن أتصور أن الإيرانيين لا يعلمون بها ".


وقائع ومحاكمات قضائية:

تقود حيثيات الحكم الصادر من محكمة واشنطن في العام 2011، بشأن تفجيرات نيروبي ودار السلام، أن إيران ومنذ العام 1998 قدمت مساعدتها للقاعدة، وأن أعضاء بارزين فيها، بينهم "سيف العدل"، المسؤول العسكري السابق للتنظيم، قد حصلوا على تدريبات في معسكرات لحزب الله في جنوب لبنان.


وفي العام 2000 اعترف أحد قياديي القاعدة، في أحد جلسات محاكمته في نيويورك، بأنه قام بمهمة ترتيب لقاءات بين بن أسامة بن لادن، وعماد مغنية، المسؤول العسكري الأبرز في حزب الله، حيث تم اللقاء في السودان، معترفاً أن إيران قامت بتدريب عناصر من القاعدة والجهاد الإسلامي في مصر، على كيفية استعمال المتفجرات.


إيران والقاعدة في العراق

عملت إيران في علاقتها مع القاعدة في العراق، بأسلوب الفوضى طريقاً للتمكين في العراق، مستغلة توجهات الأفراد المنتسبين للقاعدة في عدائهم للولايات المتحدة، فقد شهدت المرحلة التي أعقبتالاحتلال الأمريكي للعراق، تصاعداً غير مسبوق للدور الإيراني في الشرق الأوسط، فقد أدى التمكين الإيراني في العراق، إلى بروز أحزاب وتنظيمات سياسية ودينية متضاربة الغايات والاتجاهات، أفرزت حالة من الفوضى، قلّ مثيلها في التاريخ المعاصر، حيث كان التمكين للقوى الشيعية واضحاً بالتوازي مع الدعم الإيراني للقاعدة، كوسيلة وحيدة لإضعاف جميع الأطراف في الساحة العراقية، وقد تأكد ذلك في استمرار إيران لاستضافتها قياديي القاعدة في طهران، حتى في المراحل التي أعلن فيها فرع القاعدة المنضوي تحت إمرة أبو مصعب الزرقاوي( الدولة الإسلامية في العراق)، حرباً لا هوادة فيها ضد الشيعة في العراق، وما تبعه من تداعيات طالت السنة والشيعة العراقيين على حد سواء، كغاية طالما اشتغلت عليها إيران في إشاعة الفوضى من خلال ضرب العرب فيما بينهم.


 أدى ذلك إلى إرباك السياسة الأمريكية، كما حال دون رؤية واضحة لها، تمكنها من تنفيذ أية سياسة تجاه العراق وجيرانه، بما فيها إيران،  وفي هذا الخصوص يقول "جوزيف فلتر"، الباحث في شؤون الأمن القومي في معهد هوفر " إن الوقت لم يعد مناسباً لاتباع سياسات عدوانية مع إيران بسبب الإدراك الأمريكي لقوة الدور الإيراني في العراق".


وبناء على ذلك، قدمت إيران قبل الانسحاب الأميركي من العراق الدعم لكل طرف يريد مقاومة الأميركيين، فقد كانت تقدم دعماً مفتوحاً لكل من يريد محاربة الأمريكيين تحت هذه الذريعة، ولا يهمها في ذلك أن يكون هذا الدعم لقوى سنية أو شيعية.


وعلى هذا الأساس، أصبحت هناك صلات وثيقة بين الاستخبارات الإيرانية وبين قيادة القاعدة في العراق، تمثلت في الدور الذي لعبه  قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في تأمين دخول مقاتلي القاعدة عبر الأراضي الإيرانية قادمين من أفغانستان وباكستان إلى المدن العراقية، وهو ما أقرت به مجموعات خاصة تابعة للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، الذين اعترفوا بأنهم قنوات اتصال وتنسيق مع جماعات أخرى من القاعدة، ولذلك أبلغت الاستخبارات الأميركية قيادة الصحوات مراراً بأن القيادة الإيرانية فتحت حدودها لعناصر القاعدة في السنوات السابقة.


لقد أدى الدعم الإيراني للقاعدة في العراق، إلى استعداء الشيعة للسنة بشكل لم يشهده تاريخ العراق، حيث ارتدت ممارسات القاعدة وبالاً على السنة، كنتيجة طبيعية للعنف والعنف المضاد، وفي ذلك يقول نائب رئيس ديوان الوقف السني الدكتور محمود الصميدعي  في حديث له في جريدة الشرق الأوسط، " إن مشكلتنا الآن هي مع التطرف من الجانبين الشيعي الذي يكفر السنة والسني الذي يكفر الشيعة"، مضيفاً أن المعلومات التي بحوزته تفيد بأن تنظيم القاعدة الضالع الآن في معظم العمليات التي تبدو كأنها انتقام من الشيعة، ماهي إلا تأسيس للانتقام من السنة فردود الفعل التي حصلت وتحصل ضد السنة، كانت أكبر وأكثر إيلاماً، مشيراً إلى وجود شيعة في تنظيم القاعدة إلى جانب السنة، وأن هذا التنظيم يحظى بدعم إيران.


القاعدة وإيران، وتجليات الصراع الدموي في سورية:

تحاول إيران أن تعيد السيناريو العراقي في سورية، حيث سياسة التواطؤ الإيراني المعهودة، بهدف إضعاف معارضي النظام الحاكم في سورية، وذلك بتقوية جناح المتشددين في جبهة النصرة، الذين لا ترتاح إليهم بقية فصائل المعارضة، وبالتالي تقويض المعارضة ككل.


وعلى هذا الأساس، اشتغلت إيران على اختراق هؤلاء المتشددين ودعمهم، إلى الحد الذي خرج هذا الدعم حتى عن دراية النظام السوري بحجم هذا الدعم، الذي أوصل الأزمة السورية إلى حدود لم يتوقعها النظام والمعارضة على حد سواء، كما خروجها أيضاً عن أهداف وتوجيهات وتعليمات القيادة المركزية للقاعدة بقيادة أيمن الظواهري.


وفي هذا السياق، أظهرت قوائم العقوبات المالية لوزارة الخزانة الأميركية مدى الدعم الإيراني لتنظيم داعش، حيث تبين أن الكثير من المؤسسات والشركات والأشخاص الإيرانيين، كانوا يقومون بنقل الأسلحة والمقاتلين لتنظيم القاعدة في سورية (فرع داعش)، وبعلم السلطات الإيرانية، بالإضافة للدور اللوجستي والاستشاري الذي تعترف إيران به في إدارة الحرب السورية، حيث تتباهى القيادات الإيرانية، بدورها الذي تعتبره ناجحاً في وصول الكارثة السورية لما هي عليه اليوم.


1-في حيثيات قوائم العقوبات على إيران:

جاءت سلسلة العقوبات الجديدة، التي فرضتها الخزانة الأميركية على أشخاص وشركات انتهكت العقوبات المفروضة على إيران، لتؤكد تنسيقاً، أو سكوتاً على الأقل، من قبل السلطات الإيرانية على نشاط تنظيم القاعدة وتزويدها لجبهة النصرة بالخبرات القتالية عبر أراضيها.


وبحسب قرار الخزانة الأميركية، فإن جعفر الأوزبكي له علاقة بأحد المطلوبين الأمنيين في واشنطن، يعرف حركياً باسم ياسين السوري، الذي يلعب دوراً محورياً في نقل أصحاب الخبرات القتالية والمجندين من باكستان إلى سورية عبر إيران وتركيا، وذكر القرار الأخير لوزارة الخزانة الأميركية " أن دور ياسين السوري لم يقتصر على تمرير المقاتلين إلى سورية والغرب، بل قام كذلك بنقل الأموال من قبل القاعدة وإيران إلى مقاتلي جبهة النصرة.


وكشفت الخزانة الأميركية أيضاً أن جعفر الأوزبكي قام بتقديم الأموال لياسين السوري، زعيم تنظيم القاعدة في إيران، لتبدأ خيوط شبكة تمويل الإرهاب الدولية بالانكشاف، ويتضح أن مقاتلي القاعدة في سورية، والحرس الثوري، والعناصر المتطرفة من الطرفين، يتم تهريبهم وتوفير الدعم لهم عبر أشخاص مقيمين في إيران، وبعلم من سلطاتها العليا.


2-إيران وداعش في سورية، دعم النظام مدخلاً للفوضى وتعقيد الصراع:

منذ بداية الأزمة في سورية، عملت إيران على اختراق الجماعات المسلحة، في محاولة منها لتكرار تجربتها في العراق ولبنان، وفي هذا الخصوص، اتهمت قيادات في الجيش الحر الحرس الثوري الايراني بدعم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) التابعة، التي اشتغلت على تعقيد الصراع وإدخاله في حالة من الفوضى التي أضعفت جميع الأطراف، تمهيدأً لتحويل سورية إلى دولة فاشلة، وهي في الوقت ذاته تعمل اليوم على تقليص دور النظام في إدارة الأزمة، في محاولة إيرانية لإضعاف وتدمير الدولة السورية، كوسيلة لتحويلها إلى مجرد ورقة ضغط إيرانية في علاقاتها الدولية والإقليمية، إلى الحدود التي تجعل من النظام مجرد ميليشيا شيعية، على غرار التجربة اللبنانية.


[email protected]

مركز المزماة للبحوث والدراسات

17 مايو 2014

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق