مقالات المركزملفات إيرانية

إيران وفشل مفاوضات لم تبدأ بعد

يبدو أن الشعب السوري مكتوب عليه ذلك الحظ العاثر الذي قرأته قارئة فنجان شاعره الراحل نزار قباني في قصيدته الشهيرة، فالقلق لازال يلازمه رغم التهدئة الجزئية التي حدّت كثيراً من ضراوة المعارك، وكادت تساهم في وقفها تماماً لولا الخروقات المتقطعة من قبل هذا الطرف أو ذاك، فالمفاوضات التي تبدأ اليوم في جنيف زادته قلقاً برغم الأمل الذي وضعه موضع الغريق الذي لا يملك غير التّعلّق ببصيص ما يمكن أن تسفر عنه جنيف.

المفاوضات الثالثة التي هدفت لوضع حدّ نهائي للقتال الدائر، وتوحيد الجهود لدحر تنظيم داعش الإرهابي عن سوريا، يبدو أن مصيرها سيؤول لذات المصير الذي آلت إليه سابقاتها، فالتراشق التّصريحاتي بين المتفاوضين لا يبعث على التفاؤل، والأزمة التي دخلت عامها السادس مازالت مفاوضاتها حتى الآن تصبّ في خانة المفاوضات غير المباشرة بين وفد الحكومة السورية وجماعات المعارضة رغم وجود الطرفين في موقع واحد هو جنيف.

مبعوث الأمم المتحدة لسوريا، ستافان دي ميستورا، وبعدما خاض اجتماعين منفصلين مع وفد الحكومة السورية، ووفد جماعات المعارضة، قال إنه لم يتوصل لاتفاق على جدول أعمال المفاوضات التي قرر لها أن تستمر أسبوعين، وبينما قال وفد جماعات المعارضة إنه حضر إلى جنيف لبدء التفاوض حول هيئة الحكم الانتقالي، أكد رئيس الوفد السوري، بشار الجعفري، أنه لا يوجد شيء اسمه مرحلة انتقالية، وعلى الوسيط أن يتحلى بالنزاهة والحيادية خلال المفاوضات، وأن أية شروط مسبقة تضعها جماعات المعارضة أمر مرفوض، ويخالف المرجعيات التي تجري على أساسها المفاوضات.

وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، سبق الجميع بانتقاده جدول أعمال جولة المفاوضات الذي وضعه المبعوث الأممي إلى سوريا، ستيفان دي ميستورا، والذي يتضمن الحديث عن انتخابات برلمانية ورئاسية وتعديلات دستورية وغيرها، بحجة أن ذلك ليس من حقه، وأكّد في رسالة واضحة لجميع المتفاوضين ورعاة التفاوض بأن الرئيس السوري بشار الأسد خط أحمر.

سقط ولقط وحرب تصريحات بين جميع الأطراف التي لم تضع في اعتبارها الآمال العريضة للشعب السوري القلق الذي ينتظر بفارغ الصبر نهاية هذه الفوضى التي عمّت بلاده، ويحاول قدر استطاعته طرد الإحباط الذي خيّم عليه، فالطرفان اللذان لم يتفقا حتى على جدول أعمال اللقاء، لا يمكن أن يتفقا على إنقاذ سوريا الجريحة.

المشكلة الأساسية بين الطرفين حتى الآن أن الحكومة تتعامل كحكومة، ولمفهوم الحكومة في الأنظمة الدكتاتورية نهج واضح، والمعارضة أيضاً تتعامل كحكومة، وسافرت إلى جنيف حازمة حقائب تحتوي على ضرورة تغيير القوانين والنظام الحاكم، ولا أحد من الطرفين يعترف بالآخر، وكل طرف يهمه أن ينتهي التفاوض بإلغاء الطرف الآخر، فالرئيس السوري بشار يجب أن يذهب بسبب ما اقترفه من جرائم في حق شعبه، وحاشيته تتخوّف من هذا المصير الذي سيطالها دون شك في حال تطبيقه عليه، ولذلك يبقى إفشال خطط المعارضة ورغبة المجتمع الدولي بذهابه هو الهدف الأساس لوفد الحكومة السورية.

ولم تدع إيران الفرصة تفلت، فإيران لاعب أساسي ومحوري في استمرار الصراع، ودعمها مع روسيا لنظام الأسد هو ما أغراه بوضع العراقيل أمام الآخرين، فمساعد وزیر الخارجیة الإیراني في الشؤون العربیة والأفریقیة، حسین أمیر عبد اللهیان، أكد على دعم طهران ما أسماه سوریا الموحدة، واعتبر التقسیم خطراً جاداً، فالوفد السوري الذاهب لمفاوضات جنيف يتحدث بلسان الملالي لا السوريين، وتزامناً مع بدء المفاوضات السوریة في جنیف سیجري عبداللهيان في طهران مباحثات مع مساعد وزارة الخارجیة السوریة، فیصل المقداد، كما هو مقرر.

الخارجية السورية إذاً ستدير المفاوضات من طهران لا من دمشق، وفي ذلك دلالات واضحة، وتأكيدات وزير الخارجية السوري المتواصلة بأن الحوار يجب أن يكون سوري سوري دون أيّ تدخل أجنبي حتى من أولئك الذين أتوا بالوفدين للتفاوض ورعوا مفاوضاتهما، فيه محاولة لإبعاد الشبهات عن نظامه الذي أرسل وفداً مشحوناً بوقود روسي وريموت إيراني، ودخول إيران من خلف الستار في تلك المفاوضات هو أساس الفشل.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 مارس 2016

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق