انتكاسة داخلية وأخرى خارجية، يتعرض لها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تضاف إلى جعبة الفشل التي أثقل بها حزب العدالة والتنمية كاهل الدولة التركية سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ليضع البلاد مرة أخرى بين فكي العقوبات الأميركية ونتائج سياسات معاداة الدول العربية، ودعم الجماعات الإرهابية والسعي لإعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية على حساب الشعوب العربية والإسلامية، لتتزامن انتكاساته الشعبية في الانتخابات المحلية التركية، في ضوء خسارته في المدن الكبرى مثل: أنقرة وإسطنبول وأنطاليا وأضنة وأزمير وغيرها،  مع حالة من التصعيد بين الولايات المتحدة وتركيا على خلفية إصرار الأخيرة على إتمام صفقة شراء منظومة “إس 400” الدفاعية من روسيا، ما سيعرضها  لعقوبات خطيرة للغاية، لها انعكاساتها السلبية على الداخل التركي بشكل عام.

وفي تفسير لحالة الإصرار التركي على شراء هذه المنظومة، رغم أنها ستعرض أنقرة لعقوبات خطيرة منها حرمانها من نظام “باتريوت” الصاروخي، وطائرات “إف – 35 ” الحربية الأحدث في العالم، ومن توريد المعدات العسكرية لها، فأن حالة شراء الولاء الروسي، مقابل دعم موسكو للرئيس التركي في الداخل والخارج، قد أصبحت أكثر وضوحا، لأن ما ستحرم منه تركيا أكبر قيمة وأكثر أهمية وتأثيرا وقوة من الذي سوف تحصل عليه، وما يزيد الأمر وضوحا هو أن روسيا الرابح الأكبر من هذه الصفقة على الصعيد العسكري والاقتصادي والنفوذ الروسي، على اعتبار أن نشر هذه المنظومة في تركيا، سيكون بمثابة تهديد للأمن القومي بالنسبة للحلف الأطلسي من ناحية، ومن ناحية أخرى فهي دعاية اقتصادية للأسلحة الروسية، قد تحفز دولا في الاتحاد الأوروبي على الحصول على هذه المنظومة ما يسهم بشكل كبير في عودة الدب الروسي إلى المنافسة العالمية في مجال التسليح.

أما المكاسب التركية من هذه الصفقة، فهي متواضعة للغاية، وصيغت أهدافها في قالب المصالح الفردية للرئيس أردوغان وحزب العدالة والتنمية، وجاءت بتوصيات من التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين الذي يسير نحو تعزيز العلاقات الاستراتيجية  مع روسيا، ويعمل في إطار بلورة المصالح الجيوسياسية بين تركيا وروسيا وإيران وقطر، لتشكيل حلف داعم له دوليا عبر تقديم العديد من التنازلات للطرف الأقوى في هذا الحلف وهو روسيا، إذ يسعى التنظيم حاليا إلى تعزيز النفوذ الروسي في المنطقة على حساب الشعوب العربية والإسلامية، نكاية بالولايات المتحدة التي أعلنت أنها في صدد وضع هذا التنظيم على قائمة الجماعات الإرهابية.

إلى جانب ذلك، وخلافا لمصالح الدولة والشعب التركي، ودون أي اعتبار لأمن واستقرار المنطقة، يعتقد الرئيس أردوغان أن فتح الطريق أمام النفوذ الروسي إلى المنطقة، والإصرار على شراء ونشر منظومة أس 400 الروسية، سيشكل ضغطا على واشنطن فيما يتعلق بملف الأكراد في سوريا، والذين يتلقون الدعم من الولايات المتحدة، في حين ترى حكومة أردوغان امتدادا لحزب العمال الكردستاني، وهو ما سيفقد تركيا منافعها من مشروع تطوير وصناعة طائرات “إف 35″، ويفقد وزنها في استرايتجية الناتو، كما سيؤدي ذلك إلى خسائر تتكبدها تركيا تقدر بالمليارات، كل ذلك مقابل شراء منظومة “إس 400” الروسية وإرضاء للدب الروسي.

هذا بالإضافة إلى ما تملكه الولايات المتحدة من أوراق ضغط كثيرة ستمارسها على أنقرة، منها زيادة الدعم العسكري واللوجستي للأكراد، ودعم مواقفهم ضد تركيا سياسيا ودبلوماسيا، فضلا عن قدرتها على فرض عقوبات مالية واقتصادية وتجارية قاسية على تركيا، تكون كفيلة بانهيار ثان لقيمة الليرة التركية، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من التدهور الاقتصادي وهروب الاسثمارات من الداخل التركي.

ولا شك أن تحالف تركيا مع دول صغيرة مثل قطر التي تعادي غالبية دول المنطقة بسبب سياساتها التخريبية ودعمها للإرهاب، وإيران التي أصبحت معزولة عن الإقليم والعالم، وتعاني من أزمات اقتصادية ومالية خطيرة، وتنظيم الإخوان الذي شهد سقوطا في الشرق والغرب، لن يكون في مصلحة الشعب التركي، الذي بدأ يعبر عن غضبه واستيائه من سياسات أردوغان وحزب العدالة والتنمية، بشكل يوضح الرؤية المستقبلية لتركيا من غير أردوغان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

5 مايو 2019