تم تسريب وحدة تخزين بيانات للكاتبين كريستيان شينو وجورج مالبرنو تحتوي على المئات من الوثائق، كصور الصكوك والمستندات عن التحويلات المالية وطلبات التمويل المرسلة من جمعيات في دول أوروبية كثيرة وردود مؤسسة “قطر الخيرية” على طلبات التمويل وتأكيد شروطها والرسائل المتبادلة بينها وبين عملائها المتطرفين.

صكوك وتحويلات مالية

يحمّل مؤلفا كتاب “أوراق قطر، كيف تموّل الإمارة إسلام فرنسا وأوروبا” المسؤولية لنظام الحكم في قطر مباشرة لأنهما يعرفان أنه لا يمكن أن يتم أي شيء دون تدخل مباشر من الأمير القطري تميم ووالده، وبَيّن تحقيقهما أن المؤسسة تسيّر من مكتب تميم ذاته، على عكس ما يدعي قصر الإليزيه. ولا استغراب عند التذكّر بأن الإخوان المسلمين ساندوا إيمانويل ماكرون في الانتخابات الرئاسية وهو الذي رد الجميل مطمئنا إخوان فرنسا المتنكرين تحت تسمية “مسلمي فرنسا” .

وفي الكتاب هناك فضح لتعاون الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والأمير القطري تميم في العمل على ترسيخ الوجود الإخواني الإرهابي في أوروبا. ويتضمن الكتاب أن “قطر تعتمد في فرنسا، وخاصة في ألمانيا، على أردوغان حليفها الأساسي غير العربي والشتات التركي التابع له”. وحتى لو كانت للممارسات التركية للإسلام خصوصيات تجعل التعاون صعبا في الميدان إلا أن هناك محاولات تقارب في مدن معينة كمدينة نانت وكذلك ستراسبورغ، حيث يُبنى مسجد تركي كبير خصص لإنجازه حوالي 30 مليون يورو.

وحسب الكتاب، يدفع حكام الدوحة عبر ما يسمى مؤسسة “قطر الخيرية”، مبالغ مالية للكثير من الجمعيات الإسلامية بغية التسويق لفكر الإخوان المسلمين بلغت حوالي 72 مليون يورو وقد وصل عدد المشاريع إلى حوالي 140 مشروعا في 6 دول أوروبية. وكان نصيب الإخوان منها في فرنسا 25 مليون يورو.

وهذه المساعدات هي عبارة عن تمويل بناء أو توسيع للعشرات من المدارس والمراكز تحت خدعة خدمة المسلمين المقيمين في فرنسا بقيمة 4.2 مليون يورو في سنة 2014 وحدها. والهدف هو تحويل شبه المدارس تلك إلى أوكار لنشر الفكر المتطرف المؤدي رأسا إلى الإرهاب. وهذا الهدف الأخير هو نفسه المرجو تحقيقه عبر المساهمة المالية الضخمة عام 2016 التي وصلت إلى مليون و200 ألف يورو في بناء المركز الإسلامي التابع للإخوان المسلمين في فيلنوف داسك شمال فرنسا.

وغير بعيد من هنا قدمت المؤسسة القطرية المذكورة مساعدات كبيرة لثانوية ابن رشد الإسلامية في مدينة ليل بلغت 3 ملايين يورو، وقد أصبحت بعد هذا السخاء القطري ثانوية إخوانية صرفة لا علاقة لها بابن رشد الذي تحمل اسمه كما يقول أستاذ الفلسفة سفيان زيتوني الذي درّس بها قرابة السنة ثم غادر حينما اكتشف أن أيديولوجية التنظيمات الإرهابية هي المسيطرة فيها وأنها تعلّم التطرف لطلابها كما شرح في كتابه اعترافات “ابن الجمهورية ومحمد”.

وفي الكتاب دلائل كثيرة على مشاركة قطر السخية في بناء مساجد ذات علاقة بجماعة الإخوان في بلدان أوروبية عديدة كالمجمع الإسلامي في لوزان بسويسرا الذي حاز على 1.6 مليون دولار وكلية سانت أنتوني في أكسفورد التي استفادت من مبنى جديد من تمويل قطر بقيمة 11 مليون جنيه لا لشيء سوى لأن طارق رمضان، ممثل الإخوان كان يشغل منصب أستاذ هناك.

أما التبرّعات فهي ذات شرط واحد هو تبني فكر الإخوان، كما هو الحال مع المستفيدين الكبيرين “المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية” و”اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا” المسمى منذ 2018 بمسلمي فرنسا .

ولا يقول جورج مالبرنو، أحد الكاتبين، سوى الحقيقة حينما يذكر أن “المآرب الحقيقية خلف هذا السخاء القطري ليست حبا في مسلمي أوروبا ولكنها وسيلة لاختراق القارة العجوز”.

وكان لا بد لحفيد مؤسس جماعة الإخوان الإرهابية أن يكون له نصيب من الكعكة بوصفه ممثلا لها في أوروبا. حيث يتلقى طارق رمضان مكافأة مالية قدرها 35000 يورو شهريا مقابل عمل وهمي في مؤسسة قطرية للتستر الرسمي عن عمله الحقيقي وهو خدماته لأخونة الشبان المنحدرين من البلدان العربية الإسلامية وتنفيذ أوامر تميم ووالده الرامية إلى دعم الإسلام السياسي في أوروبا وفرنسا بشكل خاص. وليس هذا فحسب، فبمجرد صدور الكتاب كشفت وكالة مراقبة الأموال بوزارة الاقتصاد الفرنسية أن طارق رمضان حوّل مبالغ مالية من قطر إلى أوروبا عبر حساباته الشخصية قدرت بـ590 ألف يورو عام 2017.

صدمة أوروبية

يجري حاليا إعداد فيلم وثائقي عن مضمون الكتاب وربما ستكون الصدمة أشد حينما يكتشف المواطن الأوروبي كل هذا الإرهاب القطري على شاشة قناة “آرتي” وما تعده الدوحة من مشاريع إسلاموية تتعارض مع قيمه الديمقراطية ويشاهد بأم عينيه الوثائق التي تدين حكام قطر والمتواطئين معهم من السياسيين الأوروبيين. ففي فرنسا تعلم السلطات بالتمويل القطري في المجال الديني وتقدّره ما بين 10 و14 مليون يورو، في حين أنه يتجاوز الثلاثين مليونا سنويا بحسب المؤلفين.

وقد موّلت المؤسسة القطرية 50 مشروعا في إيطاليا بقيمة مالية تفوق 22 مليون يورو، وحصل مركز الهدى في روما وحده على 4 ملايين يورو. علاوة على مساجد إسلامية في شمال ووسط وجنوب إيطاليا. وحتى في جزيرة صقلية استفادت الجمعيات الدائرة في فلك “اتحاد الجمعيات الإسلامية بإيطاليا”، وهو فرع الإخوان في بلد الموناليزا. ولا نعثر على وثيقة متعلقة بأساليب الإخوان في أوروبا إلا وفيها ذكر ليوسف القرضاوي، إذ هو دائما وراء كل الموبقات.

وفي الكتاب رسالة من القرضاوي مؤرخة في يوم 27 يناير 2015 يشكر فيها ويشيد بتنسيقية الجمعيات الإسلامية في ميلانو وغيرها من المدن الإيطالية ويدعو المسلمين إلى التبرع لصالحها. وتقول سعاد السباعي، رئيسة مركز دراسات ابن رشد الإيطالي، “لقد قمنا بالإبلاغ عن التغلغل الديني الذي تقوم به الدوحة منذ سنوات” إذ يتم التغلغل حسبها على “شكل استثمارات وإغراءات مالية ولكن كل ذلك سيحدث أضرارا جسيمة داخل المجتمعات الأوروبية”.

قطر الخيرية ذراع الإخوان

كذّب الكاتب الإيطالي جوليو ميوتي إثر صدور “أوراق قطر” وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني الذي صرح في شهر أكتوبر الماضي وهو في زيارة للدوحة بأن قطر “لم تعد ترعى التطرف”، فقطر حسب الكاتب لا تهتم فقط بعلاقاتها الاقتصادية مع البلدان الأوروبية وإنما أيضا بتصدير التطرف عن طريق جماعة الإخوان المسلمين.

ولا تدعو الأيديولوجية الإخوانية القطرية، وفق نفس الكاتب، سوى إلى التقوقع في المجتمعات التي تعيش فيها والمطالبة بتغيير القوانين لتتماشى مع نظرة متكلّسة للإسلام الذي تروجه.

وأغدقت “قطر الخيرية” قيمة 14 مليون يورو لبناء مسجد النور في ميلوز يحتوي على مسبح طوله 25 مترا ومنتجع صحي على مساحة 800 متر مربع وقاعة رياضية. كل هذا لسجن المسلمين الفرنسيين في أيديولوجية الإخوان الإرهابية. وليس من باب الصدفة أن نعرف أن حنان أبوالهنا العضو في لجنة هذا المسجد هي التي أحضرت الخنجر إلى زوجها الإرهابي ميكاييل شيولو الذي استعمله في الاعتداء على الحرّاس في محاولة الهروب من السجن وتم القضاء عليهما معا من طرف قوات الأمن.

وفي إسبانيا توجد مشاريع في برشلونة وفالنسيا ومدريد، وكذلك في ألمانيا وهولندا والنرويج وأوكرانيا وبولندا والدنمارك كمسجد كوبنهاغن الكبير وغيره. وإذا كان الجميع يعرف أنه منذ 10 سنوات واستثمارات قطر الضخمة لا تتوقف في كامل أوروبا وفي فرنسا خصوصا، في الفنادق والعقارات والرياضة، فإن الشيء المجهول هو رعاية قطر للإرهاب وتمويله عبر المؤسسات التي تستعمل الدين الإسلامي لنشر التطرف وتحديدا تلك المنضوية تحت لواء تنظيم الإخوان، كمسجد الألزاس الكبير التابع لمؤسسة “أمل” ومسجد “مولهاوس” أيضا، وهما مركزان يروجان لفكر داعش والقاعدة .

لقد اكتشف المؤلفان أن قطر تموّل جماعات إرهابية في أوروبا منذ 2013 وعلى الخصوص في سويسرا وإيطاليا وشمال فرنسا. وليس هذا فحسب، بل في الكتاب إشارة إلى وثائق تؤكد أيضا أن “مؤسسة قطر الخيرية” مولت تنظيمات إرهابية في مالي وسوريا تحت غطاء مساعدات إنسانية. وفي غياب الرقابة الفرنسية الصارمة، يتخوف الكاتبان من أن تنتهج المؤسسة القطرية نفس الأسلوب وتحوّل المدارس والمراكز التي تمولها إلى تنظيمات إرهابية ناشطة.

نقلا عن: جريدة . العرب كيف اخترقت قطر أوروبا لتمويل الإرهاب

حميد زناز

5 مايو 2019