أصداء رحلة المنصوري

يسجل العالمُ الأحداث العلمية الهامة في الذاكرة البشرية، وتحسب ثمارها لكل الإنسانية، كما يتم منحُها حقَّها الطبيعي من الاهتمام والتوثيق والتغطية الإعلامية من زوايا مختلفة. وهذا ما حدث مع رحلة هزاع المنصوري، أول رائد فضاء من الإمارات، حيث تابعت وسائل الإعلام على المستوى العالمي رحلته على مركبة الفضاء سويوز «ام اس-15»، برفقة الروسي أوليغ سكريبوتشكا والأميركية جيسيكا مير. وبعد أن أمضى المنصوري 8 أيام في محطة الفضاء الدولية، وأجرى الكثير من التجارب العلمية خلال الرحلة، عاد إلى الأرض مكللاً بالنجاح والفخر، بما حققه من إنجاز جدير بأن يوصف -دون مبالغة- بالتاريخي، وكما يحسب للإمارات فإنه يحسب لكل العرب.

وعندما واكب الإعلام الإماراتي رحلة ابن دار زايد هزاع المنصوري إلى الفضاء، كان السياق العام للتغطية يعتز به من منظور وطني إماراتي وعربي أشمل. وبخاصة أن هذا الإنجاز العلمي يتحقق في وقت تعيش فيه المنطقة صراعات وحروباً وانكسارات، ما يجعل من أي إنجاز مكسباً حضارياً يحسب للجميع وليس لدولة الإمارات فحسب.

وكما لاحظنا، فقد كانت المواكبة العالمية عند مستوى الحدث، من جهة الإشادة بالدور الإماراتي على مستوى تأهيل الكوادر الوطنية في مجال استكشاف الفضاء، وصولاً إلى نجاح رحلة أول رائد فضاء إماراتي. لكن بالمقابل انحدر بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى مستوى غير لائق في التعاطي مع حدث علمي بهذا الحجم. ومقابل الإشادة والثناء الذي حصدته الإمارات من مختلف دول العالم، تناول بعض الأشقاء رحلة المنصوري بأسلوب التشكيك والتقليل من قيمة الحدث علمياً، ووصف مشروعاً طموحاً مثل هذا وكأنه مجرد اقتناء تذكرة إلى الفضاء! وربما اعتقد بعض الجهلة أن الأمر يتعلق فقط ببذل الأموال! وهذا منطق غير علمي. فإذا كان تأهيل رائد فضاء وصعوده على متن مركبة فضائية ضمن مشروع علمي كبير لا يتطلب سوى المال، فلماذا لم تقم بذلك دول أخرى ثرية غير الإمارات؟

مَن يعتقدون أن استكشاف الفضاء وإجراء تجارب علمية على متن محطة الفضاء الدولية لا يتطلب سوى شراء تذكرة سياحية، إنما يعكسون حالة الانهيار في جوانب الثقافة والمعرفة وانعدام ثقتهم بالعلم، وانسياقهم وراء مقولات الجهل والثرثرة العقيمة.
وبوسع أي متابع محايد يطلع على وسائل الإعلام الدولية بعين المراقب الأمين، أن يلمس الاحتفاء الواسع بجهود الإمارات، التي عملت منذ سنوات على أن تكون لها بصمة في أبحاث الفضاء، ما يعني أن رحلة أحد أبنائها إلى الفضاء الخارجي لم تكن فكرة طارئة بين عشية وضحاها، بل تم الإعداد لها علمياً بكوادر وطنية، وهذا ما أشادت به وسائل الإعلام الدولية المنصفة، مما يثير سؤال النوايا وراء تشكيك البعض، وتقليلهم من جهود إخوانهم، وعدم ثقتهم بمقدرة أشقائهم على مجاراة الدول الكبرى في أبحاث الفضاء.

وبدلاً من اعتبار هذا الحدث فرصة للانفتاح على آفاق المعرفة، واستعادة ثقة العرب بالعلم والعقل، اتجه البعض نحو التشكيك وجلد الذات، في حين يتحدث العالم بانبهار عن نجاح المهمة التي اشترك فيها ابن الإمارات، الذي أصبح فخراً لنا جميعاً كعرب.
ولفهم كيفية الوصول إلى المرحلة التي تأهل فيها رائد الفضاء الإماراتي، للإعلان عن حضوره عبر أول رحلة له إلى الفضاء، على المشككين الاتجاه للبحث والقراءة حول مقدمات علمية تتصل بهذا المجال، انشغلت بها الإمارات منذ عام 2006، عبر مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية المتقدمة «اياست»، ثم برنامج الإمارات لرواد الفضاء الذي تم تدشينه باحترافية علمية عالية، ليبدأ من حيث انتهى الآخرون، حيث انطلق العمل في هذا المسار بالتوازي مع مجموعة أفكار ومشاريع، يجهلها من أدمنوا الانتقاص من جهود وإنجازات غيرهم.

ولمن لا يعرف، فلدى الإمارات برنامج وطني طموح، ضمن مشاريع مركز محمد بن راشد للفضاء، كما أن رائد الفضاء هزاع المنصوري تم اختياره مع زميل آخر له من بين 4022 متقدماً، بعد اجتيازه سلسلة من الاختبارات في كل من الإمارات وروسيا. وذلك يعني أن الصعود إلى الفضاء ليس مجرد تذكرة، وليس متاحاً بسهولة، كما يروج الجهلة الذين يهملون التأهيل المستمر منذ سنوات.

بقلم: د.سالم حميد

رابط المقال بصحيفة الاتحاد: أصداء رحلة المنصوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق