أميركا تحول أردوغان إلى أداة لتنشيط “الفوضى الخلاقة” في  الشرق الأوسط

 سجل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في يومه السادس من العدوان على سوريا رقما قياسيا في أعداد القتلى والجرحى والمشردين، فعلاوة على مئات القتلى والجرحى، لا يزال نزيف التشرد مستمر حتى وصل قرابة الــ 130 ألف شخص، إذ يمكن أن يفضي العدوان إلى تشريد أكثر من 758 ألف سوري يسكنون في المناطق الحدودية، وسط تنديدات وانتقادات شديدة من قبل المجتمع الدولي الذي أدان برمته هذه الخطوة الأردوغانية التي لن يكون لها سوى عواقب وخيمة على منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

الآن حياة عشرات الآلاف من أهالي منطقتي “رأس العين” و”تل أبيض” باتت في خطر التشرد أو الموت، خاصة بعد استهداف القوات التركية لمحطات ضخ المياه والكهرباء في هاتين المنطقتين، ما أدى أيضا إلى حرمان ما يقرب من 4000 شخص مدني في محيط الحسكة من المياه والكهرباء بسبب العدوان التركي.

إن صمت المجتمع الدولي على احتلال تركيا لعفرين السورية في السابق، كان بمثابة مفتاح شهية أردوغان وباكورة أطماعه في وهم إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية المندثرة، والتي يسعى الأميركان حاليا إلى استخدامها كأحد أهم أدوات ما يعرف باسم “الفوضى الخلاقة” في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب أدوات كثيرة أهمها أطماع إيران ومشروع تنظيم الإخوان، وما أدل على ذلك من القرار الأميركي الأخير بسحب القوات الأميركية من شمال سوريا واعتبار ذلك ضوء أخضر أميركي لأردوغان باحتلال شمال سوريا، ليقين البيت الأبيض أن ذلك سيكون أهم محركات الفوضى الخلاقة لما ستتركه هذه الخطوة من انعدام للأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط.

 تشير ردود الأفعال الدولية على العمليات التركية في شمال سوريا إلى وجود قلق بالغ من قبل المجتمع الدولي من عواقب هذه الخطوة التي قامت بها أنقرة، وحتى في الولايات المتحدة، فقد تعرض ترامب نفسه لانتقادات واسعة النطاق من قبل الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، الكثير من هذه الانتقادات أضرت بشدة مكانة الولايات المتحدة الدولية، من ناحية أخرى، طالب مجلس الشيوخ الأميركي بمشروع قانون من الحزبين لحظر بيع الأسلحة إلى تركيا وفرض عقوبات على أموال وممتلكات أردوغان ومسؤولين أتراك آخرين، كما عارض الاتحاد الأوروبي بشدة العمليات العسكرية التركية في شمال سوريا، حيث أعلنت وزيرة الدولة الفرنسية للشؤون الأوروبية “اميلي دو مونشالان” أن مسألة العقوبات المفروضة على تركيا هي أحد الموضوعات الرئيسية في القمة الأوروبية الأسبوع المقبل، كما عبر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان عن قلقه إزاء التطورات في شمال سوريا، ودعا إلى عقد اجتماع دولي فوري للتحالف بقيادة الولايات المتحدة، وأعرب عن قلقه من أن هذه التطورات ستؤدي إلى إعادة إحياء تنظيم داعش الإرهابي، وأصدرت غالبية الدول العربية بيانات تدين وتندد بهذا الهجوم التركي، فضلا عن إدانات واستنكارات الكثير من الدول وعلى رأسها الدول الحليفة للنظام التركي، وهذه الانتقادات والإدانات لا تزال متتالية وفي حالة تنامي نظرا لتداعيات ومخاطر الخطوة التركية على الأمن والاستقرار الإقليمي والعالمي.

لكن هذا المستوى من الانتقادات والمعارضة الدولية، خاصة من قبل أوروبا ومسؤولين في الولايات المتحدة، يأتي في الوقت الذي تنشر فيه تركيا قوات في شمال سوريا منذ ما يقرب من عامين، لذا فإن ما قامت به تركيا، لم يكن ممكنا لولا الضوء الأخضر من قبل روسيا والولايات المتحدة منذ البداية، لهذا السبب، عندما انتهكت أنقرة المادة 56 من ميثاق الأمم المتحدة، فإن السؤال الرئيسي هو لماذا لم يتخذ أي إجراء للسيطرة على الوضع في ضوء العواقب المستقبلية للقوات التركية التي دخلت شمال سوريا منذ عامين؟

لذا فإن فرضية معارضة روسيا والولايات المتحدة إدانة الهجمات التركية على القوات الكردية في شمال سوريا في اجتماع لمجلس الأمن أمر طبيعي يأتي ضمن تغيرات استراتيجية وتطورات إقليمية فرضت على واشنطن وموسكو تغيير بعض الحلفاء ونهاية دعمهم بما يضمن المصالح الاستراتيجية لهاتين القوتين في منطقة الشرق الأوسط، ما يعني أن الولايات المتحدة دعمت الأكراد كحليف تكتيكي لبعض الوقت، وبالنظر إلى التطورات المهمة في سوريا، مثل تشكيل لجنة دستورية وقرب تسوية النزاع في إدلب، تم التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وموسكو وأنقرة، بحيث يتم إطلاق العنان لجيش أردوغان بالتعدي على شمال سوريا عسكريا، ما سيشكل عاملا مهما في عدم الاستقرار وإشعال صراعات جديدة في جميع أنحاء المنطقة.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

14 أكتوبر 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق