الإسلام السياسيشؤون عربية

أنقاض إمبراطورية قطر الوهمية

بعيدا عن المنطق وأقل الحسابات صحة، سار السلوك القطري منذ سيطرة تنظيم الحمدين على زمام الأمور في دويلة قطر بعد انقلاب الأمير حمد بن خليفة آل ثاني على أبيه في تاريخ 27 يونيو 1995، ومنذ ذلك الحين، سيطرت أوهام العظمة وشراهة الأفكار على عقول الحمدين، وتحولت ثروات قطر الهائلة إلى حسابات شخصية يسيطر عليها رموز النظام القطري، لاستغلالها في مغامراتهم وتجارب تحقيق أوهامهم، عبر إهدار مئات المليارات ما بين دعم الإرهاب وشراء الولاءات وتقديم الرشاوي والهبات بغية الوصول إلى لقب دولة إقليمية مؤثرة، أو وفقا لعقلية الحمدين إمبراطورية قطر العظمى.

بينما يؤكد الواقع أن المساعي القطرية الهادفة إلى الوصول إلى قوة إقليمية كانت ولا تزال وستبقى بلا جدوى، وهي أشبه ما يكون بالنفخ في قربة مثقوبة، والسياسات والأنشطة والممارسات القطرية الرامية إلى ذلك بالسهام المصوبة باتجاه مطلقها، فلن تستطيع الدوحة بهذه السياسات المرتهنة أجنبيا أن تحقق أدنى مصالحها الوطنية، بل أنها انعكست سلبيا بشكل كبير على مكانة قطر العربية والإسلامية والعالمية، ولا سيما بعد المقاطعة العربية لها بسبب إصرارها على دعم الإرهاب وتآمرها مع إيران والكيان الصهيوني، حتى تحولت قطر إلى دويلة منبوذة عربيا وإسلاميا، ومعزولة دوليا وإقلميا.

لقد رسم النظام القطري تصور إمبراطوريته الوهمية في حالة ثمل، معتمدا ثلاثة مرتكزات رئيسية مكملة لبعهضا البعض في محاولة بناءها، الأول: حقول الغاز أو الأموال، عبر شراء ولاءات بعض الحكومات الغربية بعقد صفقات تسليحية ضخمة وتقديم الرشاواي لبعض المؤسسات والمنظمات الدولية والشخصيات النافذة، وشراء بعض الأقلام ووسائل الإعلام للترويج للنظام القطري وتحسين صورته أمام المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، والثاني: تنظيم الإخوان والجماعات الإرهابية، عن طريق السيطرة عليها ودعمها لتكون أداة قطرية لاختراق المجتمعات العربية ونشر العنف ضد الحكومات والأنظمة العربية، وترهيب الشعوب وإخضاعها لإرادة هذه الجماعات الإرهابية، والثالث: شبكة الجزيرة وباقي وسائل الإعلام الإخوانية، التي تستخدمها قطر لشرعنة الإرهاب والتطرف والتأثير في الرأي العام العربي وتحريض المجتمعات والمواطنين ضد أوطانهم وأنظمتهم وجيوشهم، والرابع: تكتل الألف والنون المكون من إيران والإخوان وأردوغان، عبر الاتكاء على هذا التكتل الذي انفصل كليا عن العالم في سياساته وقراراته، والاستعانة به في حماية النظام القطري من السقوط بسبب انتفاضة شعبية أو انقلاب عسكري إرادة إقليمية ودولية.

ورغم كل هذه المساعي والمؤامرات، وما أهدرته قطر من مئات المليارات لدعم التطرف والإرهاب وشراء الولاءات، جاءت المحصلة لتوقض الحمدين من أوهامهم، وتضعهم في مأزق تاريخي لا خروج منه سوى تغيير النظام القطري، وهي حقيقة بات يعرفها الجميع، بعد أن سيطرت قوى إقليمية وعالمية على رموز تنظيم الحمدين وقراراتهم وسياساتهم الخارجية، الأمر الذي قد يدفع بالولايات المتحدة وقوى عالمية وإقليمية إلى تبني سياسة عزل الأمير القطري وحاشيته عن الحكم في الدوحة لفك ارتباطها مع إيران والجماعات والتنظيمات الإرهابية وإعادتها إلى رشدها ومركزها العربي.

يدرك النظام القطري الآن أنه أضاع كل الفرص، وخسر جميع ما يمكن أن يكون قشة الغريق، ولم يعد مقبولا إلا لدى بعض الأنظمة والتنظيمات التي تسير في طريقها إلى الزوال وعلى رأسها نظام إيران وتنظيم الإخوان، ويعلم جيدا أنه لم يعد أي ساحة لديه يمكنه المغامرة فيها من جديد لتحقيق أدنى المكاسب، وأنه لم يعد يملك أي سلاح مؤثر بعد تدهور القطاعات الاقتصادية وتعرضه لخسائر مادية كبيرة بسبب المقاطعة العربية والاستنزاف الإيراني والتركي للثروات والأموال القطرية، وما أهدر من الأموال على دعم الإرهاب، وضياع حلم التمدد الإخواني بعد سقوط التنظيم إقليميا وعالميا وإدراجه على قائمة الجماعات الإرهابية، أما الجزيرة وأخواتها فإنها غابت عن اهتمامات الشارع العربي والإسلامي ولم يعد لها أي مصداقية لدى الشعوب العربية بعد افتضاح أمرها واكتشاف حقيقة أهدافها، أما الجدار الأخير الذي يستند عليه الحمدين فإنه معرض للسقوط في أي لحظة، مع تزايد الضغوطات والعقوبات الأميركية على إيران وأردوغان والإخوان.

مركز المزماة للدراسات والبحوث

10 يونيو 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق